27 آذار 2017 الموافق لـ 28 جمادى الثانية 1438
En FR

القائد الخامنئي :: 2013

خطاب الإمام الخامنئي دام ظله بمناسبة اليوم الوطني لمقارعة الاستكبار العالمي



خطاب الإمام الخامنئي دام ظله في لقائه آلاف الطلبة الإيرانيين بمناسبة اليوم الوطني لمقارعة الاستكبار العالمي_03-11-2013 م

بسم الله الرحمن الرحيم

تذكرنا أنفاسُكم الدافئة أيها الشباب الأعزاء في هذه الحسينية اليوم بتلك الملحمة والحماس نفسه الذي كان طوال الأعوام المتمادية منذ بداية الثورة الإسلامية وإلى الوقت الحاضر دعامةً وضمانةً للمسيرة الثورية لشعب إيران. إن وجود الشباب ذوي الدوافع الواضحة والراسخة والمرتكزة على المنطق، وذوي القلوب الطاهرة والنوايا الخالصة الصافية، لهو نعمة إلهية كبرى لهذا البلد ولنظام الجمهورية الإسلامية.

إن اجتماعنا اليوم هو بمناسبة ذكرى حادثة أو أحداث (13آبان) 4 تشرين الثاني التي وقعت في البلاد على مدى أعوام، منذ ما قبل الثورة وإلى ما بعد انتصارها. ثلاث حوادث: حادثة نفي الإمام الخميني في العام 1964 م، حادثة المذبحة الوحشية ضد تلامذة المدارس في طهران في العام 1978 م، وحادثة التحرك الشجاع للطلبة الجامعيين باقتحامهم وكر التجسس في العام 1979 م. وكل واحدة من هذه الأحداث مرتبطة بنحو ما بحكومة الولايات المتحدة الأمريكية. في سنة 1964 نفي الإمام الخميني (رضوان الله تعالى عليه) بسبب اعتراضه على معاهدة "الحصانة القضائية" التي تصون أمن رجال الأمن الأمريكيين في إيران وتمنحهم حصانة قضائية، وهكذا كانت تلك القضية ذات صلة بأمريكا. وفي العام 1978،قام النظام التابع لأمريكا بمذبحة ضد طلبة المدارس في شوارع طهران، وصبغ اسفلت شوارع طهران بدماء شبابنا وفتياننا دفاعاً عن النظام العميل لأمريكا، وهذا الحدث أيضاً له صلة بأمريكا. وفي العام 1979 كانت هناك ضربة مقابلة، اي أن الشباب الشجعان المتديّنين من الطلبة الجامعيين الإيرانيين هاجموا السفارة الأمريكية، وكشفوا حقيقة هذه السفارة وهويتها، فهي كانت عبارة عن وكرٍ للتجسّس، وعرضوا هذه الحقيقة على العالم. في ذلك اليوم أطلق الشباب الإيرانيون على السفارة الأمريكية اسم وكر التجسس، واليوم، بعد مضي ثلاثين ونيّف من الأعوام على ذلك العهد صار اسم السفارات الأمريكية في أقرب البلدان إلى أمريكا - أعني البلدان الأوربية – "وكر التجسس". أي إن الشباب الإيرانيين كانوا متقدمين على مفكرة التاريخ العالمي ثلاثين سنة. وهذه الحادثة أيضاً لها صلتها بأمريكا. ثلاث أحداث كل واحدة لها صلتها بشكل من الأشكال بحكومة الولايات المتحدة الأمريكية وعلاقاتها بإيران. لذا أطلق على يوم (13 آبان) 4تشرين الثاني، اسم "يوم مناهضة الاستكبار".

ما معنى الاستكبار؟ الاستكبار تعبير قرآني. وردت كلمة الاستكبار في القرآن الكريم. الشخص المستكبر والحكومة المستكبرة والجماعة المستكبرة هي الجماعة أو الحكومة التي تتقصّد التدخّل في شؤون البشر والشعوب الأخرى. تتدخل في كل شؤونهم وأمورهم من أجل صيانة مصالحها. ترى نفسها حرّة لها حق فرض ما تريد فرضه على الشعوب. تقرّر لنفسها حق التدخّل في شؤون البلدان، ولا تتحمّل مسؤولية ذلك أمام أي أحد. هذا هو معنى الاستكبار. النقطة المقابلة لهذه الجبهة الظالمة الجائرة هي الجماعة التي تناهض الاستكبار، فما معنى مناهضة الاستكبار؟ إنها تعني بالدرجة الأولى عدم الرضوخ لهذا التعسف والجور. ليس معنى مناهضة الاستكبار شيئاً مقعداً ملتوياً. مقارعة الاستكبار تعني أن شعباً لا يخضع لتدخلات القوى المستكبرة ولا الشخص المستكبر ولا الحكومة المستكبرة، وما تريد أن تفرضه عليه. هذا هو معنى مقارعة الاستكبار. وسوف يكون لي إن شاء الله في المستقبل فرصة أتحدث فيها لكم بالتفصيل أيها الشباب والطلبة الجامعيين وطلبة المدارس حول الاستكبار ومناهضة الاستكبار، ولا مجال لهذا الحديث المفصّل الآن. لكن هذا معنى الاستكبار ومناهضة الاستكبار على الإجمال.

يعتبر الشعبُ الإيراني نفسَه مقارعاً للاستكبار لأنه لم يرضخ لما تريد الحكومة الأمريكية فرضَه عليه. الحكومة الأمريكية حكومة مستكبرة ترى لنفسها حق التدخل في شؤون البلدان وإشعال الحروب. وترون اليوم أن هذه الحالة قد تجاوزت حدود بلدان آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية ووصلت إلى أوروبا، فراحوا يتدخلون في أمور الأوربيين أيضاً. وقف شعب إيران مقابل هذا الاستكبار الذي كانت تمارسه حكومة الولايات المتحدة الأمريكية وتدخلاتها وتعسفها وهيمنتها على بلدنا العزيز طوال أعوام متمادية. كانت الحكومة الطاغوتية الملكية حكومة تابعة ومرتهنة لأمريكا ومن دون أن يكون لها دعائم وسند داخلي، بل كانت بالاعتماد على أمريكا تفعل في إيران كل ما يريدون، فكانت تظلم الناس وتغتصب حقوقهم وتمارس التمييز بينهم، وتمنع البلد من النمو والرقي والتنمية التي تعدّ حقه الطبيعي والتاريخي، وكل ذلك من أجل تأمين مصالح أمريكا في إيران. وقف الشعب الإيراني وفجّر الثورة ومن ثمّ اجتث جذور المستكبرين في البلاد، ولم يكن كبعض البلدان الأخرى التي جابهت أمريكا لكنها تركت الأمر غير مكتمل، وتلقّت الضربات نتيجة ذلك.

لقد شاهدتُ في أحد البلدان - ولن أذكر الاسم - وهو بلد قارع بريطانيا وكافح ضدها، وأنهى بكفاحه سنين من ظلم البريطانيين وجورهم ضده، وحصل على استقلاله، شاهدتُ أنهم نصبوا في أحد مراكزهم الترفيهية المهمة تمثالاً لقائد بريطاني! فقلنا [لهم] مستنكرين: ما هذا؟! وقد اطلقوا على اسم المركز الترفيهي اسم ذلك المستعمر المستكبر الذي ارتكب هناك آلاف الجرائم! وطبعاً لم يجنوا شيئاً من هذه المداراة والمماشاة، أي إن الضغوط على ذلك البلد استمرت، ولا تزال مستمرة. فالتماشي مع المستكبر وممالأته لا تحقق أية مكاسب ومنافع لأي بلد من البلدان. اشتبكت الجمهورية الإسلامية الإيرانية والثورة العظيمة لهذا الشعب مع الاستكبار العالمي ولم تترك الأمر ناقصاً غير تام، لأن الشعب شعر بضربات وسياط أمريكا طوال الأعوام المتمادية على جلده ولحمه، وكان يعلم من هم هؤلاء وما هم.

أدى هذا المنحى الاستكباري, الذي انتهجه الأمريكان والذي استمروا عليه منذ عشرات الأعوام وإلى اليوم، إلى بروز شعور من الامتعاض وعدم الثقة لدى الشعوب تجاه الحكومة الأمريكية. وهذا الأمر لا يختص ببلادنا. أي بلد اعتمد على أمريكا ووثق بها تلقى الضربات وخسر، حتى الذين كانوا أصدقاء لأمريكا. وفي بلادنا وثق الدكتور مصدق بالأمريكيين واعتمد عليهم واستعان بهم ليستطيع إنقاذ نفسه من ضغوط البريطانيين، وبدل أن يساعدَ الامريكيون الدكتورَ مصدق- الذي أحسن الظن بهم - تحالفوا مع البريطانيين وأرسلوا مبعوثهم إلى هنا فدبّر انقلاب الثامن والعشرين من مرداد. وثق مصدق بهم وتلقى ضربات نتيجة ذلك. حتى الذين كانت لهم علاقات جيدة بأمريكا ووثقوا بها تلقوا الضربات منها. وقد كانت العلاقات بين النظام الطاغوتي السابق في إيران وأمريكا صميمية جداً، لكن جشع الأمريكيين جعل الكيل يطفح بهم، ففرضوا عليه مثلاً هذه الحصانة القضائية التي تحدثنا عنها - الحصانة القضائية للأمنيين الأمريكيين - ولم يكن لهم[لنظام الشاه] من سند ودعامة سوى الأمريكيين، فاضطروا للقبول.

معنى الحصانة القضائية أنه إذا صفع عريف أمريكي وجه ضابط إيراني كبير، لن يكون من حق أحد ملاحقته. وإذا اعتدى رجل أمن[مأمور] أمريكي صغير في طهران على رجل إيراني شريف أو امرأة إيرانية شريفة، فلن يكون من حق أحد أن يلاحقه. يقول الأمريكيون للإيرانيين ليس من حقكم ملاحقته ومحاسبته، ونحن نتدبّر الأمر بأنفسنا. لا يمكن أن تصل ذلة شعب من الشعوب إلى أسوء من هذا. فرضوا هذا الشيء، وقد كانوا أصدقاءهم فلم يرحموا حتى أصدقاءهم. لقد طردوا محمد رضا بهلوي هذا - نفسه - بعد أن هرب من إيران ووفد لمدة قصيرة على أمريكا , طردوه من هناك ولم يبقوه. أي إنهم لم يفوا له حتى بهذا المقدار. هم هكذا.

لا تثق الشعوب وحتى الحكومات بأمريكا بسبب هذا السلوك والمنحى المشهود في سياسات الأمريكيين. كل من وثق بأمريكا نال جزاءه وتلقى الضربات عن ثقته [جزاءً لثقته!]. لذلك يمكن القول حالياً إن أمريكا هي المكروهة والمبغوضة لدى الشعوب أكثر من أية قوة أخرى في العالم. لو تم إجراء استبيان عادل ونزيه لشعوب العالم فلا أظن أن الدرجة السلبية لأية حكومة يمكنها أن تضاهي الدرجة السلبية للحكومة الأمريكية. هكذا هو وضعهم في العالم اليوم. تسمعون الكلام الذي يقوله الأوربيون اليوم ضد الأمريكان. إذن، قضية مناهضة الاستكبار واليوم الوطني لمناهضة الاستكبار قضية أساسية نابعة من تحليل صحيح وكلام صائب. وأنتم أيها الشباب الأعزاء وملايين الشباب من أمثالكم في كل أنحاء البلاد، يجب أن يكون لكم تحليلكم الصحيح لهذه القضايا والأمور. لم يكن الشباب في مطلع الثورة بحاجة لتحليلات ولم يكونوا يريدون تحليلات، فقد كان كل شيء واضحاً بالنسبة لهم، لأنهم كانوا قد شاهدوا كل شيء واطلعوا عن كثب على تواجد الأمريكيين وقسوتهم وعلى السافاك الذي تدرّب على يد الأمريكيين. أما أنتم اليوم فيجب أن تفكروا وتحللوا وتدققوا، ولا يكون الأمر مجرد حديث على الألسن، بل ينبغي أن يتبيّن لماذا يواجه الشعبُ الإيراني الاستكبارَ، ولماذا يعارض توجّهات الولايات المتحدة الأمريكية، ومن أين ينبع هذا الامتعاض والانزعاج. هذا ما يجب أن يدركه ويفهمه الشباب اليوم بصورة صحيحة وتحقيقية.

حسن، لأذكر جملة من النقاط حول قضايانا الجارية مع أمريكا، والتي يكثر البحث والكلام حولها هذه الأيام، وتمثل أسئلة في الأذهان. أولاً لألفت الأنظار إلى نقطة مهمة وضرورية: إن مجموعة المفاوضين الإيرانيين مع مجموعة الدول التي تضمّ أمريكا، وهي ست دول تسمى اصطلاحاً (5+1)، لا ينبغي لأحد أن يعتبرهم استسلاميين. هذا خطأ. هؤلاء مبعوثو حكومة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهم من إخوتنا وأبنائنا ومن أبناء الثورة، ويقومون بمهمّة معينة. وإن مهمتهم الملقاة على عواتقهم صعبة، وهم يجدّون ويسعون بالغ السعي للنهوض بالعمل الملقى على عواتقهم. إذن، يجب عدم إضعاف وإهانة المبعوث[المفاوض] الذي يعكف على عمله والمسؤول عن عملية معينة، أو وصفه ببعض التعابير التي قد تُسمع أحياناً من قبيل أنهم استسلاميون وما إلى ذلك، لا، ليس الأمر كذلك. وتنبّهوا أيضاً إلى أن هذه المفاوضات التي تجري حالياً مع البلدان الستة - ومن ضمنها أمريكا - تختص بالقضايا النووية ليس إلّا. وقد قلت في كلمتي في مدينة مشهد المقدسة بداية هذا العام إنه لا إشكال في المفاوضات حول موضوعات خاصة، لكنني قلت إنني لا أثق ولست متفائلاً بالمفاوضات، ولكن إذا كانوا يريدون التفاوض فليتفاوضوا، ونحن لن يصيبنا ضرر من هذا بإذن الله.

إنها تجربة في متناول أيدي الشعب الإيراني - وسوف أتطرّق لهذا الموضوع باختصار - وسوف ترفع هذه التجربة الإمكانيات الفكرية لشعبنا. مثلاً تجربة عامي 2003 و2002 بخصوص تعليق التخصيب، حيث وافقت الجمهورية الإسلامية في ذلك الحين على تعليق التخصيب لمدة معينة في مفاوضاتها مع الأوربيين. وقد تأخّرنا بسبب ذلك لمدة سنتين، لكن الأمر انتهى لصالحنا. لماذا؟ لأننا أدركنا أنه بتعليق التخصيب لا يمكن عقد الآمال مطلقاً على طرف الشركاء الغربيين. لو لم نكن قد قبلنا في ذلك الحين بهذا التعليق الطوعي - وطبعاً كان مفروضاً بنحو من الأنحاء، لكننا وافقنا عليه، ووافق عليه المسؤولون - فلربما كان سيقول البعض: لو كنتم قد تراجعتم بمقدار قليل لتمّ علاج كل المشكلات ولصار الملف النووي الإيراني ملفاً عادياً. كان لنا في تعليق التخصيب في ذلك الحين فائدة إثبات أنه بالتراجع وتعليق التخصيب وتأخير العمل وتعطيل بعض المشاريع لا يمكن معالجة المشكلة، فالطرف الآخر يسعى وراء أشياء وأمور أخرى. هذا ما أدركناه، لذلك عاودنا بعد ذلك عمليات التخصيب. ووضع الجمهورية الإسلامية اليوم يختلف عن سنة 2003 من الأرض إلى السماء. كنا نتفاوض في ذلك الحين على جهازين أو ثلاثة أجهزة للطرد المركزي، واليوم تعمل الآلاف من أجهزة الطرد المركزي. عقد شباب إيران وعلماؤها وباحثوها ومسؤولوها الهمم وتقدموا بالأمور والأعمال إلى الأمام. وعليه، فلن نتضرر أو نخسر شيئاً من المفاوضات الجارية في الوقت الحاضر. وبالطبع فإنني ,كما سبق أن ذكرت, لستُ متفائلاً، ولا أظن أن هذه المفاوضات ستثمر النتائج التي يتوقعها شعب إيران، لكنها تجربة وستزيد من تجربة الشعب الإيراني وتعزّزه. لا إشكال فيها ولكن من الضروري أن يكون الشعب يقظاً واعياً. إننا ندعم بكل قوة وإصرار مسؤولينا الذين يعملون وينشطون في الجبهة الدبلوماسية، لكن على الشعب أن يكون واعياً يقظاً ويعلم ما الذي يحدث كي لا يتمكن بعض الإعلاميين الذين يقبضون رواتبهم من العدو وبعض الإعلاميين الذين لا يقبضون أجورهم من العدو، لكنهم سذّج وبسطاء، أن يضللوا الرأي العام.

وإن من خدعهم وأكاذيبهم أن يوحوا للرأي العام ويلقنوه بأننا إذا استسلمنا في الملف النووي للطرف المقابل فسوف تحلّ كلّ المشكلات الاقتصادية والمعيشية و... الخ. هذا ما يروّجون له في إعلامهم. طبعاً يرسم الإعلاميون الأجانب لهؤلاء الخطوط1 والاتجاهات بأساليب إعلامية جد ماهرة. وفي الداخل يعمل البعض من منطلق السذاجة وبدون نوايا سيئة ويعمل البعض بدافع أغراض معينة على التبليغ والترويج بأننا لو تراجعنا في هذه القضية واستسلمنا مقابل الطرف الآخر فسوف تعالج كل المشكلات الاقتصادية وغير الاقتصادية. هذا خطأ. لماذا هو خطأ؟ هناك عدة أسباب لذلك. نرغب في أن تفكروا أيها الشباب الأعزاء في هذه القضايا والمسائل ؛ سواء أنتم الحاضرون في هذا الاجتماع أو الشريحة الشبابية الواعية المثقفة والشباب الإيراني المتحفز والطلبة الجامعيون وتلامذة المدارس في كل أنحاء البلاد، وقد قلت ذات مرّةً بأنكم ضبّاط الحرب الناعمة -.

من هذه القضايا؛ أن عداء أمريكا للشعب الإيراني وللجمهورية الإسلامية الإيرانية لا يدور أساساً حول محور الملف النووي. من الخطأ أن نتصور أن معركة أمريكا ضدنا هي بسبب الملف النووي، لا، الملف النووي مجرد ذريعة. قبل أن تطرح القضية النووية كانت هذه العداوات وهذه المعارضات والخلافات موجودة منذ بداية الثورة. وإذا ما عولجت القضية النووية في يوم من الأيام - لنفترض أن الجمهورية الإسلامية تراجعت ونفذت ما يريدونه - فلا تظنوا بأن القضية كلّها سوف تعالج وتنتهي، لا، سوف يطرحون تدريجياً عشرات الذرائع الأخرى: لماذا تمتلكون صواريخ؟ لماذا تمتلكون طائرات من دون طيّار؟ لماذا علاقاتكم سيئة مع الكيان الصهيوني؟ لماذا لا تعترفون بالكيان الصهيوني؟ لماذا تدعمون المقاومة في المنطقة التي يسمّونها هم منطقة الشرق الأوسط؟ ولماذا؟ ولماذا؟ ولماذا؟ ليست القضية أنهم على خلاف مع الجمهورية الإسلامية بشأن الملف النووي، لا، بدأ الحظر الأمريكي على إيران منذ بداية الثورة، وازداد يوماً بعد يوم، ووصل في الوقت الراهن إلى اقصى درجاته. ومارسوا صنوفاً أخرى من العداء: لقد أسقطوا طائرة الجمهورية الإسلامية وقتلوا 290 إنساناً مسافرا. في بدايات الثورة وحينما كان الشعب لا يزال يعيش حالات هياج الثورة دبّروا انقلاب معسكر الشهيد "نوجه" ضد الثورة الإسلامية. ودعموا أعداء الثورة في أية منطقة تواجدوا داخل البلاد ، وأمدّوهم بالسلاح وغير ذلك. وهو العمل نفسه الذي قاموا به بعد ذلك في بلدان أخرى. لقد فعلوا هذه الأفعال هنا.

ليست القضية قضية الملف النووي. هذا ما ينبغي للجميع أن يفطن إليه. ليس الأمر أن نظن بأن عداء أمريكا للجمهورية الإسلامية الإيرانية بسبب الملف النووي، لا، القضية قضية أخرى. القضية هي أن الشعب الإيراني قال "لا" للمطاليب الأمريكية، وقال إن أمريكا لا تستطيع ارتكاب أي حماقة2. إنهم يعارضون وجود الجمهورية الإسلامية، ويعارضون نفوذها واقتدارها. في الآونة الأخيرة قال أحد السياسيين والشخصيات الفكرية الأمريكية - وقد أذيع قوله وليس الأمر أمراً خفياً سرياً - قال : إن إيران خطرة سواء أكانت ذرّية أو غير ذرّية3. قال هذا الشخص بصراحة إن نفوذ إيران واقتدارها - وعلى حد تعبيرهم التفوق الإيراني - في المنطقة أمر خطير. إيران التي تحظى حالياً بالمكانة والاحترام والاقتدار. إنهم يعادون ويعارضون هذا الأمر. سوف يُسَرّون يوم تكون إيران شعباً ضعيفاً ومروّضاً وراضخاً ومعزولاً وبدون اعتبار ولا احترام. القضية ليست قضية الملف النووي. هذه نقطة.

النقطة الأخرى هي: إننا يجب أن نركز كل جهودنا في الشأن الاقتصادي على الأمور الداخلية. التقدم والحل الذي يحظى بالقيمة والأهمية هو الذي يعتمد على القدرات الداخلية للشعب. إذا كان الشعب معتمداً على قدراته ومواهبه فلن يعتريه الاضطراب لغضب هذا البلد أو حظر ذاك البلد. هذا ما يجب أن نركّز عليه ونعالجه. كل كلامنا مع المسؤولين - سواء المسؤولون في الماضي أو المسؤولون في الوقت الحاضر - هو أنه ينبغي أن تتركز النظرة إلى الداخل من أجل حل قضايا البلاد ومشاكها، بما في ذلك المشاكل الاقتصادية. لدينا في داخل البلاد الكثير من الإمكانيات والطاقات، ويجب الاستفادة من إمكانيات هذا الشعب التي تتمثل في طاقاته البشرية ومصادره الطبيعية والجغرافية وموقعه الإقليمي. وطبعاً نحن ندعم التحرك الدبلوماسي. حين نقول إن الأمور يجب أن تعالج وتصلح من الداخل فهذا لا يعني أن نغلق أعيننا ولا يكون لنا تحركنا الدبلوماسي ولا نتعامل مع العالم، بلى، التحرك الدبلوماسي والتواجد الدبلوماسي عملية جد ضرورية - والمسؤولون الذي يقومون بهذه الأعمال هم جزء من العمل والأمر - بيد أن الاعتماد والتركيز يجب أن ينصب على الشؤون الداخلية. البلد الناجح على الصعيد الدبلوماسي هو الذي يعتمد على طاقاته الذاتية، والحكومة التي تستطيع تثمير كلامها خلف طاولة المفاوضات الدبلوماسية وتصل إلى النتائج المرجوّة هي تلك التي تعتمد على اقتدار داخلي وإمكانيات ذاتية، فالأطراف الأخرى تحسب لمثل هذه الحكومة حسابها.

النقطة المهمة
التي يجب أن تحظى هنا بالتدقيق هي أننا في مواجهتنا لأعدائنا طوال هذه الأعوام لم نُصب باليأس في أي وقت من الأوقات، وسوف لن نصاب باليأس بعد الآن أيضاً4. في العقد الأول من الثورة لم تكن تتوفر لدينا غالبية الأدوات والوسائل المادية، إذ لم يكن عندنا المال ولم يكن عندنا السلاح ولا التجربة ولا التنظيم، ولم يكن لدينا قوات مسلحة كفؤة ولا معدات حربية، وكان عدونا - سواء عدونا الذي يقاتلنا في ساحة الحرب، أي النظام البعثي الصدامي، أو العدو الذي كان يقف وراءه أي أمريكا والناتو والاتحاد السوفيتي يومذاك - كان في ذروة قوته وقدرته. كانت أمريكا هذه نفسها يومذاك في عهد ريغان من الدول القوية القديرة في الميادين السياسية والعسكرية في العالم، وكنا نحن نعيش العوز والفقر والضيق، لكنهم لم يستطيعوا فعل شيء لنا.
ولقد تغيّر الوضع اليوم، فالجمهورية الإسلامية في الوقت الراهن لديها السلاح والمال والعلم والتقنية والقدرة على الصناعة، وتتمتع كذلك بالاعتبار الدولي، وتمتلك الملايين من الشباب المستعدين للعمل، وملايين المواهب. هكذا هو وضعنا اليوم. لا يمكن مقارنة وضعنا الآن إطلاقاً بما كنا عليه قبل ثلاثين سنة. لكن في الجبهة المقابلة، فالوضع على العكس تماماً. كان الأمريكيون في ذلك الحين في ذروة قوّتهم، وهم ليسوا كذلك اليوم. واحد من رجال الحكم الأمريكان الحاليين وهو شخصية معروفة، قال قبل فترة عبارة - وهذا قوله هو وليس قولنا نحن- "لقد وصل الحال بأمريكا اليوم إلى حيث لا يحترمها أصدقاؤها ولا يخافها أعداؤها". لقد عانوا في الفترة الأخيرة من مشكلات سياسية، ولاحظتم الخلافات بين رجال السياسة في أمريكا بخصوص القضايا المتعلقة بميزانية حكومتهم ما أدّى إلى تعطيل الحكومة الأمريكية لمدة ستة عشر أو سبعة عشر يوماً. ذهب ثمانمائة ألف موظف في إجازة إجبارية. هذا ضعف وعجز. يعانون اليوم من أكبر المشكلات على الصعيد الاقتصادي والمالي. ومشاكلنا تساوي "صفراً" مقارنة مع مشاكلهم.

في العام 2001 أو 2002 م - أي قبل عشرة أعوام أو أحد عشر عاماً - قدّر المسؤولون الماليون الأمريكيون وقالوا إننا في سنة 2011 أو 2012 سيكون لدينا فائض في الإيرادات بمقدار 14000 مليار دولار. اصغوا جيداً. في العام 2001 كان تقديرهم لعام 2011 و2012 هو إنهم قالوا سيكون لنا في ذلك العام: 14000 مليار دولار إضافية من الإيرادات. والآن نحن في العام 2013 ولديهم نقص بمقدار 17000 مليار دولار، فلم يحصل لديهم إضافة وفائض في الإيرادات ابداً. معنى ذلك أنهم أخطأوا في حساباتهم بمقدار 30000 مليار دولار! هذا هو وضعهم الاقتصادي ووضع حساباتهم. مثل هذا الوضع يوجد اليوم في الجبهة المقابلة لنا. والاختلافات كثيرة كما تلاحظون. ثمة مصالح مشتركة موجودة تربط فيما بينهم - بين الأوربيين والأمريكيين - وإلّا هم على علاقات سيئة فيما بينهم في أعماقهم. الشعب الفرنسي يكره الأمريكيين ويمتعض منهم. وفي قضايا متعددة من قبيل القضية السورية حيث أراد الأمريكيون الهجوم فلم يستطيعوا إشراك أقرب الدول إليهم في هذا الأمر، أعني بريطانيا التي قالت إننا لن نشارك في الهجوم. هذا في حين عندما هجموا على العراق تعاونت معهم نحو أربعين دولة، وحين هاجموا أفغانستان تعاونت معهم أكثر من ثلاثين دولة.

هكذا هو وضع الأمريكيين الآن، لكن وضعنا جيد جداً. لقد تقدمنا وزاد اقتدارنا وزاد وعي شعبنا. وهم طبعاً يمارسون ضغوطهم. يجب أن نصبر على هذه الضغوط ونتحمّلها ونتجاوزها بالاعتماد على قدراتنا الذاتية. هذا طريق عقلائي يجب أن نسير فيه. طبعاً قلنا ونكرّر: نحن نؤيّد الجهود التي تبذلها الحكومة المحترمة والمسؤولون في البلاد، فهي عملية وتجربة من الممكن أن تكون مفيدة. إنهم يقومون بهذه العملية فإذا آتت نتائجها فنعمّا ذلك، وإذا لم يحصلوا على النتيجة المطلوبة فليكن معنى ذلك أنهم يجب أن يعتمدوا على أنفسهم من أجل حل مشاكل البلاد. ونكرّر مرة أخرى توصيتنا السابقة: لا تثقوا بالعدو الذي يبتسم لكم. هذا ما نوصي به مسؤولينا وأبنائنا الذين يعملون في السلك الدبلوماسي، فهم أنباؤنا وشبابنا. توصيتنا لهم: احذروا من أن توقعكم الابتسامات المخادعة في الخطأ. وتحققوا من دقائق ما يقوم به العدو.

يعيش الأمريكان اليوم أشد حالات المجاملة والإحراج مع الكيان الصهيوني المنحط، ويتحرّجون أشدّ الحرج من الأوساط الصهيونية، فيدارونهم ويحاولون إرضاءهم، ونحن نرى هذا الوضع. فقبضة العتاة الماليين والشركات الصهيونية تضغط على الحكومة الأمريكية والكونغرس والمسؤولين الأمريكيين بشكل يجبرهم على مراعاة الصهاينة، لكننا نحن غير مجبرين على مراعاتهم. لقد قلنا منذ اليوم الأول ونقولها اليوم أيضاً وسنقولها في المستقبل أيضاً: إننا نعتبر الكيان الصهيوني كياناً غير شرعي ولقيط. نظام تكوّن بفعل المؤامرات، ويُحفظ اليوم بفعل المؤامرات والسياسات التآمرية. هم يراعونهم. أما لماذا يراعونهم فهذا بحث آخر. المال والقوة والرساميل الصهيونية تفعل فعلها، وتفرض نفسها بالتالي على هؤلاء المساكين، فيضطرون لمراعاة الصهاينة. والأمر لا يختص فقط بالأمريكان فالكثير من الساسة الغربيين الآخرين هم أيضاً مساكين يعانون من نفس المشكلة. لذا، على مسؤولينا أن يدققوا ويلاحظوا الكلام، فالطرف المقابل يبتسم ويبدي الودّ والرغبة في التفاوض؛ لكنه من ناحية أخرى, وبدون تأخير, يقول: كل الخيارات على الطاولة! حسنٌ، ثمّ ماذا؟ أية خطوة أو سخافة يمكن أن يرتكبونها ضد الجمهورية الإسلامية؟ إذا كانوا جادّين في العملية فيجب عليهم ضبط أنفسهم وإسكات الذين يفتحون أفواههم بمثل هذا الكلام الفارغ. يقول أحد السياسيين الأمريكيين الأثرياء شيئاً سخيفاً هو إننا يجب أن نقصف الصحراء الإيرانية الفلانية بقنبلة ذرية ونهدّدهم وكيت وكيت. يجب أن يصفعوا مثل هذا الشخص ويحطموا فمه. فالحكومة التي تتوّهم أنها مسؤولة حيال قضايا العالم وتعتبر نفسها مسؤولة عن التصدي للملف النووي للبلد الفلاني والبلد الفلاني، سيكون من السخافة أن تهدد بلداً في مثل هذا الوضع وفي مثل هذا الزمن تهديداً نووياً. يجب أن يمنعوا مثل هذا الهذر.

على كل حال، شعبنا والحمد لله شعب واع يقظ، والمسؤولون هم من هذا الشعب، وهم أيضاً واعون يقظون دقيقون. أي عمل يكون في مصلحة البلاد ويقوم به المسؤولون، نحن ندعمه ونساعدهم وندعو لهم، ولكن نوصي كل أبناء الشعب ونوصي المسؤولين أيضاً ونوصيكم خصوصاً أيها الشباب الأعزاء بأن تفتحوا أعينكم وآذانكم. أي شعب من الشعوب يمكنه بفضل الوعي واليقظة وعدم الغفلة أن يحقق أهدافه السامية.

ونتمنى أن تكون أدعية سيدنا بقية الله الإمام المهدي المنتظر (أرواحنا فداه) دعامة وسنداً لكم إن شاء الله. وأن تدعو لكم روح الإمام الخميني الطاهرة. وتدعو لكم أرواح الشهداء الطيبة إن شاء الله. وستستلمون أيها الشباب بإذن الله البلاد بروحيّتكم البهيجة المتوثبة، وسترفعون البلاد بإبداعاتكم، حين يحين دوركم، إلى القمم إن شاء الله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


1- المقصود حسب السياق: الاعلاميون في الداخل ذوو الاغراض او السذّج.
2- ارتفاع هتافتات مدوّية: الموت لأمريكا
3- هتافات مدوية: الموت لأمريكا
4- هتافات مدوية: الله اكبر, ايها القائد الحر, نحن حاضرون ومستعدّون

05-10-2013 عدد القراءات 4119



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا