16 تشرين الأول 2018 الموافق لـ 06 صفر 1440 هـ
En FR

الأخلاق والآداب الإسلامية :: آداب التجارة

الأمانة



فالثروة الأولى التي عليها الاعتماد في التجارة، هي الأمانة، بل هي أهم من الثروة المالية التي لا يمكن أن تكون عمليات البيع والشراء إلا بعد توفرها.

فالتاجر الأمين يجد من يقرضه أو يسلفه البضاعة أو يزوده بما يشاء من أصناف وأنواع... دون حذر أو وجل، لأن هذه الصفة المعنوية تكسبه حصانة وثقة يحتاجهما كل تاجر ناجح يطمح لترسيخ وجوده في السوق.

وصدق من قال: إن من أدى الأمانة، شارك الناس في أموالهم.

قال الإمام الصادق عليه السلام لعبد الرحمن بن سيابة: "ألا أوصيك".

قال عبد الرحمن: بلى.

قال عليه السلام : "عليك بصدق الحديث وأداء الأمانة، تشرك الناس في أموالهم، هكذا". وجمع عليه السلام بين أصابعه.

قال عبد الرحمن: فحفظت ذلك عنه، فزكيت ثلاثمئة ألف درهم.

وأما التاجر غير الأمين، وإن توفر بين يديه المال الوفير، إلا أن التعامل معه يبقى مشوباً بالحذر والخوف من الخيانة والغدر والمطبات والمؤامرات... حتى لو دفع نقداً!

فربما يكون ذلك تمهيداً لمقلب ما.

ومدح الله جل جلاله أهل الأمانة بقوله: ﴿والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون.

بل جعلت هذه الصفة مغلبة على أهم العبادات على الإطلاق في الإسلام، لأنها النتيجة الطبيعية المنتظرة من هذه العبادات، وإلا، كان ذلك دليل خلل وتقصير، إن لم يكن نفاقاً ورياء.

روي عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله: "لا تنظروا إلى كثرة صلاتهم وصومهم، وكثرة الحج والمعروف، وطنطنتهم بالليل، ولكن انظروا إلى صدق الحديث وأداء الأمانة".

أداء الأمانة إلى الفاجر أيضاً:

قد يشتبه البعض بظنه أن صفة الأمانة تكون فقط مع أهل الإيمان، ويبدو أنه قد التبس الأمر عندهم، بين من كان مباح المال، وهو ليس موضع حديثنا هنا، وبين من قبلنا أمانته بكل طيبة خاطر منا، وهذا يجب علينا تأدية حقه حتى ولو كان فاسقاً، ليس موافقة لمنكره، بل لصدق عهدنا الذي عاهدناه.

فإن لم يكن هو أهلاً، بسبب انحرافه، فنحن أهل بسبب إيماننا وصدقنا.

ومن جملة من لم تجعل الرخصة في حقهم... أداء الأمانة إلى البر والفاجر.

تماماً كما الوفاء بالعهد، وبر الوالدين، أكانا من أهل التقوى أم من أهل الفجور.

وحتى في الخيط والمخيط.

والعجيب أن يثبت هذا التعامل أيضاً حتى مع قتلة أولاد الأنبياء عليه السلام ... بمن فيهم قاتل علي عليه السلام ، وقاتل الحسين الشهيد عليه السلام .

وذلك للعلة المتقدمة... كل هذا طبعاً بسبب قبولنا للأمانة، أما لو رفضناها أساساً فلا حرمة لهؤلاء القتلة، لعنة الله تعالى عليهم إلى يوم الدين.

لكن، المسلم عند عهده ووعده.

روي عن صادق آل محمد، عليه السلام قوله: "إن ضارب علي بالسيف، وقاتله، لو ائتمنني واستنصحني واستشارني، ثم قبلت ذلك منه، لأديت إليه الأمانة".

وسمع علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام يقول لشيعته: "عليكم بأداء الأمانة، فوالذي بعث محمداً بالحق نبياً، لو أن قاتل أبي الحسين بن علي عليه السلام يأتمنني على السيف الذي قتله به، لأديته إليه".

كيف يدعي الإيمان من لم يكن أميناً؟

فالإيمان وأداء الأمانة متلازمان، كما نص على ذلك كتاب الله المجيد، ومعاني الروايات المختلفة.

وحسبنا ما تواتر عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : "لا إيمان لمن لا أمانة له".

وفي نص آخر عنه صلى الله عليه وآله وسلم قوله: " من خان أمانة في الدنيا، ولم يردها إلى أهلها، ثم أدركه الموت، مات على غير ملتي، ويلقى الله وهو عليه غضبان".

فكيف يكون منكر الأمانة أو مسوفها مخلصاً لعقيدته ودينه، وهو يصلي في مكان ليس له، أو يتوضأ بما لا يملكه، أو ينام والمظلومون يشكونه إلى الله عز وجل أو يتنعم بمال غصبه أهله؟

وهؤلاء السكارى يظنون أنهم بفعلهم هذا يصبحون أغنياء، والحقيقة أن البركة تسلب مما بين أيديهم.

يقول علي أمير المؤمنين عليه السلام : "الأمانة تجر الرزق، والخيانة تجر الفقر".

وعنه عليه السلام : " استعمال الأمانة يزيد في الرزق".


* كتاب أخلاق التاجر، سماحة السيد سامي خضرة.

26-10-2013 عدد القراءات 3483



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا