20 أيلول 2017 الموافق لـ 29 ذو الحجة 1438
En FR

العقيدة الإسلامية :: الموت والبرزخ

أحياء البرزخ



تحدثنا عن مراحل ومنازل يتعرض لها الإنسان منذ إطلالة ملك الموت عليه من العديلة، وحضور الأولياء، إلى قبض الروح، إلى ضغطة القبر، ومساءلة منكر ونكير، لكن يبقى السؤال عما بعد هذه المراحل، فهل تنتهي حياة الإنسان في هذه المرحلة وتسْبُت إلى يوم القيامة أم أنها تستمر؟

الجواب نجده في القرآن الكريم الذي يعرض لنا نوعين من الناس تستمر حياتُهم، في عالم ما بعد الموت وقبل يوم القيامة:

الأول: عباد الرحمن

أ- قال تعالى ﴿جناتِ عدنٍ التي وعد الرحمن عباده بالغيب، إنه كان وعُدهُ مأْتيَّاً، لا يسمعون فيها لغواً إلا سلاماً ولهم رزقهم فيها بكرة وعشي. في تفسير علي بن إبراهيم: ذلك في جنات الدنيا قبل القيامة، والدليل على ذلك قوله "بكرة وعشياً، فالبكرة والعشي لا تكونان في الآخرة في جنات الخلد، وإنما يكون الغداة والعشي في جنات الدنيا التي تنتقل إليها أرواح المؤمنين وتطلع فيها الشمس والقمر".

ب- ومن بين هؤلاء العباد خصَّ الله تعالى الشهداء بحديثه عن حياتهم المستمرة المتفاعلة بعد الموت، إذ يقول تعالى ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر العاملين، فهذه الآيات توضح الحياة الفاعلة المتفاعلة للشهداء فهم "يرزقون"، وصيغة المضارع تدل على الاستمرار، وهم يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم، بل يستبشرون بنعمة قادمة من الله تعالى وفضل منه، وهذا دليل واضح على الحياة في عالم ما بعد القبر.

ج- ومن بين هؤلاء الشهداء خصَّ الله تعالى الشهيد حبيب النجار – حسب المشهور- بذكر قصة حياته بعد الموت فقال:" وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال ﴿يا قوم اتبعوا المرسلين * اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون * وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون * أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون * إني إذا لفي ضلال مبين * إني آمنت بربكم فاسمعون * قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون * بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين *وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين * إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون، فقوله تعالى "قيل ادخل الجنة" راجع إلى ما بعد استشهاده مباشرة، وليس بلحاظ يوم القيامة، بدليل أن الله تعالى ذكر ما يحدث لهم يوم القيامة بعدما قيل له "ادخل الجنة" وذلك بقوله عز وجل ﴿وما أنزلنا على قومه من بعده من جند... فكأن الله تعالى يقول لم نكن بحاجة إلى جند من السماء لإهلاك قومه، بل كفتهم صيحة واحدة، فإذا هم خامدون، اذن الآية تخبر عن دخوله الجنة فور استشهاده وهذا لا يكون إلا بوجود جنة البرزخ التي يأتي الحديث عنها.

الثاني: الظالمون

أ- قال الله تعالى عن الظالمين من آل فرعون، ﴿وحاق بآل فرعون سوء العذاب، النار يعرضون عليها غدواً وعشي، فقد سئل الإمام الصادق عليه السلام عن تفسير هذه الآية الكريمة فقال عليه السلام: "ذلك في الدنيا قبل القيامة، وذلك لأن في القيامة لا يكون غدو ولا عشي، لأن الغدو والعشي إنما يكون في الشمس والقمر وليس في جنان الله ونيرانها شمس ولا قمر".

ومما يؤكد هذا المعنى ذيل الآية التي تتحدث عن كون عذاب يوم القيامة أشد من ذلك العذاب البرزخي، وهو قوله تعالى: ﴿ويوم تقوم الساعة ادخلوا آل فرعون أشد العذاب.

ب- كما تحدث الله تعالى عن مصير الظالمين بقوله:﴿... وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ. فالذي يظهر من الآية ان عذاب الهون يكون بعد إخراج الأنفس مباشرة.

ج- وفي نفس إطار الآية السابقة ورد قوله تعالى:﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ. إذن هناك نعيم وعذاب بعد الموت، وقبل يوم القيامة وعالم هذا النعيم وذلك العذاب هو المعبِّر عنه بالبرزخ في قوله تعالى: ﴿حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعوني لعلي أعمل صالحاً فيما تركت، كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون. وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام "... لكني والله أتخوّف عليكم في البرزخ.. سأله الراوي: وما البرزخ؟ قال عليه السلام: القبر منذ حين صورته إلى يوم القيامة".

من يحيا في البرزخ؟

مرّ معنا بعض الروايات التي تخصِّص من يُسأل في قبره بصنفين من الناس: من محض الإيمان ومن محض الكفر، كرواية عبد الله بن سنان عن الإمام الصادق عليه السلام: "إنما يسأل في قبره من محض الإيمان محضاً، ومن محض الكفر محضاً، وأما ما سوى ذلك فيلهى عنهم".

إلا أن الروايات التي تحدثت عن عذاب القبر ونعيمه بشكل عام لم تلحظ هذا التخصيص بل هي مطلقة تشمل جميع المؤمنين والفاسقين من قبيل ما ورد عن الإمام زين العابدين عليه السلام: "إن القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران"، وما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: "إن أرواح المؤمنين لفي شجرة من الجنة، يأكلون من طعامها ويشربون من شرابها، ويقولون: ربّنا أقم الساعة لنا، وأنجز لنا ما وعدتنا، وألحق آخرنا بأولنا".

وما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: "إن الأرواح في صفة الأجساد في شجرة في الجنة، تعارف وتساءل، فإذا قدمت الروح على الأرواح يقول: دعوها، فإنها قد أفلتت من هول عظيم، ثم يسألونها: ما فعل فلان؟ وما فعل فلان؟ فإن قالت لهم: تركته حيّاً ارتجوه، وإن قالت لهم: هلك، قالوا قد هوى، هوى".

محاولة للتوفيق

قد يقول البعض إن الجمع بين الطائفتين من الروايات يتمّ من خلال تقييد الطائفة الثانية المطلقة بالأولى والنتيجة أن من يحيا في عالم البرزخ هم من محض الإيمان ومن محض الكفر.

والشاهد على هذا الجمع العديد من الآيات القرآنية التي تصرَّح بأنّ الكثير من الناس يوم القيامة يتخيّلون عدم مرور زمن طويل عليهم وذلك من قبيل الآيات التالية:
1-﴿يوم يُنفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذٍ زُرْقاً، يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عَشْراً، نحن أعلم بما يقولون، إذ يقول أمثلُهُم طريقةً إن لبثتم إلا يوم.
2- ﴿قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين، قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم، فسئل العادّين، قال: إن لبثتم إلا قليلاً لو أنكم كنتم تعلمون.
3- ﴿ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون، وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث، ولكنكم كنتم لا تعلمون، فيومئذٍ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون.
4- ﴿وقالوا ءإذا كنا عظاماً ورفاتاً ءانا لمبعوثون خلقاً جديداً، قل كونوا حجارة أو حديداً، أو خلقاً مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسيُنغضون إليك رؤوسَهم، ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريباً، يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلاً.

فهذه الآيات واضحة أنهم في سبات، لم يثقلهم عذاب ولم يذلهم هوان لذا لم يشعروا بمرور الزمن الطويل فحالهم كحال أصحاب الكهف ﴿والذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مئة عام، ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوماً أو بعض يوم، قال بل لبثت مئة عام.

نقد المحاولة

إلا أن هذا الشاهد لا يصلح للتوفيق بين الطائفتين من الروايات، لأن حملها على أساس أن هؤلاء الكفار والمجرمين كانوا في سبات دون عذاب يتنافى مع ما ورد في تعذيب آل فرعون، وعليه فالظاهر أن نظر تلك الآيات الدالة على حالة السبات وعدم العذاب ليست ناظرة إلى عالم البرزخ، بل النظر فيها إلى ما بين النفختين المتعلقتين بيوم القيامة، واللتين عبِّر الله تعالى عنهما بقوله: ﴿ونُفخ في الصور، فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون.

فالذي يظهر من إطلاق هذه الآية أن الصعق الذي يحصل على أساس النفخة الأولى يشمل كل من في السماوات والأرض، بما فيهم أهل البرزخ، وهذا ما أفادته الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام حينما سئل: افتتلاشى الروح بعد خروجه عن قالبه أم هو باق؟ قال عليه السلام: "بل هو باق إلى وقت ينفخ في الصور، فعند ذلك تبطل الأشياء، وتفنى فلا حس ولا محسوس، ثم أعيدت الأشياء كما بدأها مدبّرها، وذلك أربعمئة سنة يسبت فيها الخلق، وذلك بين النفختين".

الجواب الصحيح

يمكن الجمع بين الطائفتين السابقتين عبر تفسير معنى الإلهاء (يُلهى عنهم، فلو فسرناه بمعنى فقدان الإحساس بالحياة البرزخية وعدم التعرض للثواب والعقاب لوقع التعارض بين الطائفتين.

ولكن يمكن تفسير الإلهاء بمعنى آخر نفهمه من خلال رواية صحيحة السند رواها ضريس الكناسي عن الإمام الباقر عليه السلام تصلح كشاهد للجمع بين الطائفتين وهي: قلت له: جعلت فداك، ما حال الموحّدين المقرّين بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم من المسلمين المذنبين الذين يموتون وليس لهم إمام ولا يعرفون ولايتكم؟ فقال عليه السلام: "أما هؤلاء فإنهم في حفرهم لا يخرجون منها، فمن كان له عمل صالح، ولم يظهر منه عداوة، فإنه يخدّ له خدّاً إلى الجنة التي خلقها بالمغرب، فيدخل عليه الرَوْح في حفرته إلى يوم القيامة، حتى يلقى الله فيحاسبه بحسناته وسيئاته، فإما إلى الجنة وإما إلى النار، فهؤلاء الموقوفون لأمر الله، وكذلك يفعل بالمستضعفين والبله والأطفال وأولاد المسلمين الذين لم يبلغوا الحلم...".

فهذه الرواية تصلح لتفسير الذين "يلهى عنهم" بما عبر عنه في هذه الرواية بـ "هؤلاء الموفون لأمر الله"، وعليه لا يكون المقصود بالإلهاء عنهم نفي إحساسهم بالحالة البرزخية، بل المقصود هو تركهم من دون مساءلة من ناحية، ومن دون إخراج الروح من القبر إلى جنة البرزخ أو نار البرزخ من ناحية أخرى، بل يدخل عليهم روح في حفرتهم من جنة البرزخ، ويتركون هكذا إلى يوم القيامة.

والنتيجة: أن حياة البرزخ هي عامة لجميع الناس، إلا أن المساءلة في القبر وإخراج الروح إلى جنة البرزخ أو جهنم البرزخ ليس عاماً لكل الناس بل لمن محض الإيمان ومحض الكفر.


* نداء الرحيل، الشيخ أكرم بركات.

01-09-2013 عدد القراءات 6233



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا