24 تشرين الثاني 2017 الموافق لـ 05 ربيع الأول 1439هـ
En FR

العقيدة الإسلامية :: الموت والبرزخ

أسئلة القبر



أكدت الروايات الواردة عن أهل العصمة عليهم السلام أن هناك جملة من الأسئلة توجَّه إلى الميت في قبره، فعن الإمام الصادق عليه السلام: "من أنكر ثلاثة أشياء، فليس من شيعتنا: المعراج والمسائلة في القبر والشفاعة".

من هو السائل؟

تحدثت الروايات أن الذي يسأل الميت في قبره ملكان يقال لهما منكر ونكير أو ناكر ونكير، وبعض الأخبار أن اسمي الملكين اللذين ينزلان على الكافر ناكر ونكير، واسمي الملكين اللذين ينزلان على المؤمن مبشِّر وبشير، باعتبار أن الكافر ينكر الحق، بينما المؤمن يبشَّر من الله تعالى بالرضا والثواب المقيم.

من يُسأل في القبر؟

كما ورد أن الأسئلة الموجًّهة في القبر لا تعمّ ُ كل الموتى بل خصوص طائفتين منهم، الأولى: هم المتمحِّضون في الإيمان والثانية: هم المتمحِّضون في الكفر، أما غير هاتين الطائفتين فيبقون في قبورهم دون مساءلة إلى يوم النفخ في الصور، ففي صحيحة محمد بن مسلم عن الإمام الصادق عليه السلام "لا يُسأل في القبر إلا من محض الإيمان أو من محض الكفر"، وعن الإمام الصادق عليه السلام:" لا يسأل في القبر إلا من محض الإيمان محضاً، أو محض الكفر محضاً، والآخرون يلهون عنهم".

المسؤول: الجسد أو الروح؟

ورد أن الملكين قبل سؤال الميت يلقيان بإذن الله تعالى الروح إلى حقويه، فيقعدانه ويسألانه.

ما هي أسئلة القبر؟

ورد في الأحاديث أنَّ هناك أربعة أسئلة عقائدية توجه إلى الميت وهي:
من ربّك؟
ما دينك؟
من نبيَّك؟
من إمامك؟


فقد ورد عن الإمام الكاظم عليه السلام: "يقال للمؤمن في قبره: من ربك؟ قال: فيقول الله. فيقال له: ما دينك؟ فيقول: الإسلام. فيقال له: من نبيك؟ فيقول: محمد. فيقال: من إمامك؟ فيقول:فلان. فيقال كيف علمت بذلك يقول: أمر هداني الله له وثبتني عليه. فيقال له: نم نومة لا حلم فيها، نومة العروس. ثم يفتح له باب إلى الجنة فيدخل عليه من روحها وريحانها، فيقول: يا رب، عجل قيام الساعة....

أما الكافر فيصف حاله الإمام الصادق عليه السلام: بأن الملكين "يقعدانه ويلقيان فيه الروح إلى حقويه، فيقولان له: من ربك؟ فيتلجلج ويقول: قد سمعت الناس يقولون. فيقولان له: لا دريت ويقولان له: ما دينك؟ فيتلجلج فيقولان له: لا دريت، ويقولان له: من نبيك؟ فيقول سمعت الناس يقولون، فيقولون له: لا دريت، ويسأل عن إمام زمانه. فينادى مناد السماء: كذب عبدي، افرشوا له في قبره من النار، وألبسوه من ثياب النار، وافتحوا له باباً إلى النار، حتى يأتينا وما عندنا شرّ له، فيضربانه بمزربة ثلاث ضربات ليس منها ضربة إلا يتطاير قبره ناراً لو ضرب بتلك المرزبة جبال تهامة لكانت رميماً.

وقفة مع الأسئلة العقائدية

السؤال الأول: من ربّك؟ وليس من خالقك؟
لأن المشكلة الأساسية في الإنسان عبر التاريخ لم تكن في الإيمان بالخالق بل في المدير والرب ومن يتوجَّه إليه في إدارة شؤون الحياة. لذا نلاحظ أن القرآن الكريم حينما يتحدث عن مشركي مكة يقول (لئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله).
فهم لم يشركوا في الخالقية، بل كانوا يشركون في الربوبية باعتقادهم أن الأصنام هم أرباب مستقلون دون الله سبحانه وتعالى ومن الواضح ما للاعتقاد بالربوبية من آثار مسلكية، فمن يؤمن بأن الله تعالى هو ربّه ومدير أموره وأمور كل الحياة فإنه سيتوجه إليه في كل شيء، ويقتصر على تعامله مع الآخرين على أساس توسيط الله لهم فيما يريده من نتائج.

قصة معبِّرة

وردت قصة معبِّرة عن الشعور بربوبية الله تعالى، وهي أنَّ أحد الأشخاص كانت له حاجة قيل له: لا يقضيها لك إلا الملك وكان قصر الملك بعيداً جدا ًَ عن بلدته، فقطع السهول والأودية والجبال حتى وصل إلى قصر الملك، وأراد لقاءه، فقيل له: انتظر، فانتظر وطال انتظاره على باب القصر، فسأل عن سبب ذلك، فقيل له: إن الملك يصلِّي، وحينما ينتهي من صلاته نأذن لك في الدخول. تفاجأ الرجل، فكَّر في الأمر، ثم همَّ بالرحيل، سئل عن سبب ذلك، ولمَ أعرض عن لقاء الملك بعدما قطَّع المسافة الطويلة؟ فأجاب: إن لي حاجة اعتقدت أنها لا تقضى إلا من خلال الملك، فجئت إلى الملك فوجدته يطلب حاجته من الله، فقررت أن أطلب حاجتي ممن يطلب الملك منه قضاء حاجته.

السؤال الثاني: ما دينك؟
الدين يمثل المعتقدات والمسلكيات التي تشمل كل أنحاء الحياة، ويؤدي التدين بها إلى سعادة الدارين للفرد والمجتمع. والدين هو الذي يجيب على السؤال الأساس الذي مرّ في البداية، فهو الذي يرشد إلى ما يحتاج إليه السالك للوصول إلى الكمال. ودين الله واحد منذ آدم إلى اليوم، إلا أن تدرج المجتمعات البشرية اقتضت أن تتعدد الرسالات الإلهية بحسب ما تتحمل تلك المجتمعات، إلى أن وصل المجتمع البشري إلى مرحلة يستطيع فيها تحمّل الرسالة الخالدة، فكانت رسالة الإسلام بقرآنها المعجزة الخالدة.

السؤال الثالث: من نبيّك؟

لقد بعث الله النبيين المتصلين بالله تعالى ليبلغوا دين الله ورسالته، وليكون لهم الدور الأساسي في تفعيل هذا الدين، وهدي الناس إلى الله تعالى، فتغيير المجتمعات البشرية لا يتم فقط من خلال وجود المعلومات التي هي بمثابة خريطة طريق إلى الكمال الإنساني، بل لا بد من قدوة يكون لها الأثر في سير الناس على تلك الطريق. من هنا عبَّر أحد المستشرقين عن سرِّ امتداد وانتشار الدين الإسلامي، بأنه لو اقتصر الإسلام على القرآن الكريم دون سيرة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم لما كان الإسلام قد خطا تلك الخطوات.

وهذا الأمر يجعلنا أمام مسؤولية في التعرّف أكثر على نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلى سيرته الحياتية في الجوانب المتعددة، وأن نعمل ليكون قدوة لنا ولأولادنا في سيرنا الحياتي نحو الكمال، ولعل ما ورد من تسمية الأبناء باسم محمد صلى الله عليه وآله وسلم يساعد على هذا الإقتداء، فقد ورد عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "من ولد له ثلاثة بنين ولم يسمِّ أحدهم محمداً فقد جفاني" وفي حديث آخر عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "البيت الذي فيه اسم محمد يصبح أهله بخير ويمسون بخير".

بل ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: لا يولد لنا مولود إلا سميناه محمداً، فإذا مضى سبعة أيام، فإذا شئنا غيَّرنا، وإلا تركنا.

السؤال الرابع: من إمامك؟
إن قضية الإمامة في الإسلام ترتبط بعدة عوامل منها الحاجة إلى القيادة الاجتماعية الأكفأ، ومنها ما يعود إلى الدين وهو حفظ الشريعة وتبليغها، فإن إلقاء نظرة فاحصة على مرحلة تبليغ السنَّة النبوية المباركة يوقفنا أمام أمر مهم جداً، فمرحلة تبليغ السنّة النبويّة دامت ثلاثاً وعشرين سنة قضى منها النبيُّ الأعظم ثلاثَ عشرةَ سنةً في مكّة، وعشرَ سنوات في المدينة المنوّرة.

أمّا في السنوات المكّيَّة الثلاثَ عشرة، فلم يؤمن بالنبيّ إلاّ عدد قليل لم يتجاوز عددهم أربعمائة مسلم على الأكثر.

وكان أغلبهم من المستضعفين المضطهدين ممَّا أدّى إلى هجرة الكثير منهم (70 عائلة) إلى الحبشة مرّتين، وبالتالي انفصالهم المباشر عن تلقّي الدعوة الإسلاميّة من النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وفي هذه السنوات المكّيَّة كان المشركون يضيِّقون على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين الباقين معه تضييقاً شديداً، ويمنعونه من تبليغ دعوته للآخرين، حتى وصل الأمر بهم إلى محاصرته مع جملة من الهاشميّين في شِعْبِ أبي طالب ثلاث سنوات حيث كانت المجاعة الشديدة...

إنّ الناظر في هذا المرحلة المكّيَّة يُدرك بوضوح أنّ الفرصة لم تسنح للنبيّ إلاّ تبليغ أساسيّات الاعتقادات والبعض القليل من جوانب الشريعة، كما يُلاحظ القارئ للآيات القرآنيّة النازلة في مكّة.

وممّا يؤكّد هذا الواقع أنّ فريضة الصوم، وهي من أوائل فروع الدين، لم تنزل في مكّة بل في المدينة.

وانتهت هذه السنوات المكّيَّة بهجرة النبيّ إلى يثرب ليقضي فيها عشر سنوات كانت مليئة بالحروب والغزوات وما شابه، إضافة إلى الخلافات التي حصلت بين القبائل من داخل المجتمع الإسلاميّ الجديد. وقد سجّل التاريخ في الفترة المدنيّة النبويّة وقوع أكثر من ثمانين معركة وغزوة وإرسال سرايا وما شابه، وكان النبيّ هو القائد العسكريّ المباشر لها.

ومن والواضح أنّ هذه الحروب والغزوات شكَّلت معوِّقات أمام تبليغ تفاصيل الشريعة الإسلاميّة والسنَّة النبويّة الشريفة.

يقول الشهيد المطهّري: "وإذا أردنا أن نغضَّ النظر عن الواقع الكائن في مكّة والمدينة، ونفترض أنّ رسول الله سلك في هذه السنوات الثلاث والعشرين من البعثة نهج المعلِّم الذي لا شأن له إلاَّ الذهاب إلى الصفّ وتعليم الناس، فمع ذلك لم يكن هذا الوقت وافياً كي يُبيِّن النبيّ للناس جميع ما ينطوي عليه الإسلام، فكيف إذا أضفنا لذلك التاريخ... الذي امتصَّ جلَّ أوقات النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم خصوصاً بشأن دين كالإسلام يبسط حاكميَّته على جميع شؤون حياة البشر؟".

الحلّ: ولاية الحُجَج

إذاً لا بدَّ من حلٍّ يتسنَّى من خلاله للنبيّ أن يبلِّغ ويحفظ سنَّته الشريفة التي تمثّل مع القرآن الكريم توأم التشيُّع الكامل.

فكان الحلّ الإلهيّ يتمثّل بتربية إلهيّة لشخصٍ استثنائيّ يكون وعاءً لعلم النبيّ ومستودعاً لسنَّته وحافظاً للدين الحنيف. وكان هذا الشخص هو عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فكان محلَّ الفيض الإلهيّ والتعليم النبويّ.

وهذا ما يعطينا التفسير الواضح لتلك الجلسات الطويلة بين محمّد وعليّ صلى الله عليه وآله وسلم وتلك الملازمة الشديدة بينهما التي كان يعبِّر عنها أمير المؤمنين عليه السلام بقوله: "ولقد كنت أتبعه اتّباع الفصيلِ أَثَرَ أُمِّه"، وكان النبيّ كما يخبر عنه علي: "إذا سألت رسول الله أجابني وإن فنيت مسائلي ابتدأني".

وأكَّدت الروايات أنّ هذا التعليم الخاصّ كان بأمر إلهي، فقد روى أبو نُعَيْم الحافظ الشافعي (ت 430هـ) بإسناده عن رسول الله: "يا علي، إنّ الله عزّ وجلّ أمرني أن أدنيك وأعلّمك لتعيَ وأنزلت هذه الآية (وتعيها أذن واعية) وأنت أذن واعية للعلم".

ولأجل هذا الدور الإلهيّ في إكمال تبليغ الشريعة الإلهية والسنَّة النبويّة حدَّد النبيّ أنّ للشريعة مدخلاً وأنّ لعلمه باباً، من أراد أن يغترف لا بدَّ أن يدخل منه فقال: "أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها".

ولم تكن فترة حياة أمير المؤمنين-لا سيَّما بالظروف التي أحاطت بها-كافية لأداء هذا الدور الكبير في إكمال تبليغ السُنَّة النبويّة، فخزَّن أمير المؤمنين تفاصيل الشيعة الطاهرة في الحسن والحسين ليكونا الحافظين لسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومبلغيها، وهذا ما يكشف لنا سرَّ قول النبيّ الذي اشتُهر به: "الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا".

وشاءت الإرادة الإلهيّة أن تنتقل هذه السنَّة المطهّرة من صدور طاهرة بعد أن يقوم كلّ إمام بدوره الرائد، فأودع الحسين علوم الإسلام في ابنه زين العابدين، وهو في الباقر، والباقر في الصادق، والصادق في الكاظم، والكاظم في الرّضا، والرّضا في الجواد، والجواد في الهادي، والهادي في العسكري، والعسكري في قائم أهل البيت الحُجّة المهديّ، لتكتمل به سلسلة النور، وليكون أئمَّة أهل البيت عليهم السلام مع القرآن توأم التشريع الذي خلَّفه رسول الله وأمر أمته بالتمسّك به حينما قال: "إنّي تارك فيكم الثَّقلَيْن كتاب الله وعترتي أهل بيتي (ما إن تمسَّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً) ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض".

من ربك؟ ما دينك؟ من نبيّك؟ من إمامك؟

أربعة أسئلة عقائدية يواجهها الإنسان في قبره، فإذا نجح بالامتحان يقال له كما ورد عن الإمام الكاظم عليه السلام: نم نومة لا حلم فيها، نومة العروس، ثم يفتح له باب إلى الجنة، فيدخل عليه من روحها وريحانها.


* نداء الرحيل، الشيخ أكرم بركات.

01-09-2013 عدد القراءات 15704



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا