20 أيلول 2017 الموافق لـ 29 ذو الحجة 1438
En FR

العقيدة الإسلامية :: الموت والبرزخ

ضغطة القبر



من منازل القبر المهولة وعقباته الكؤود ما سمي بـ ضغطة القبر وضمة القبر، وهذا ما يستفاد من العديد من الروايات المنقولة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام فقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أن رقية (بنت رسول الله أو ربيبته -على الخلاف-) لما ماتت قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على قبرها فرفع يده تلقاء السماء ودمعت عيناه، فقالوا: له يا رسول الله، إنا قد رأيناك رفعت رأسك إلى السماء ودمعت عيناك، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "إني سألت ربي أن يهب لي رقية من ضمة القبر".

وسيأتي في قصة الصحابي الجليل سعد بن معاذ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال بعد لحده في القبر: "أن سعداً قد أصابته ضمة".

وأيضاً ورد في قصة دفن السيدة الجليلة فاطمة بنت أسد(رض) أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نام في لحدها قبل دفنها، وعلّل ذلك بأنه أراد أن يكفيها ضغطة القبر بل ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "أنه ليس من مؤمن إلا وله ضمة".
وسيأتي استثناء لهذا التعميم.

ضغطة غير المدفون

ويبدو أنّ القبر لا ينحصر بالموضع الأرضي التحتي، بل يشمل الظرف الذي يكون فيه الإنسان حتى لو كان هوائياً، فقد ورد عن يونس أنه سأل الإمام عليه السلام عن المصلوب هل يعذب عذاب القبر؟ فقال عليه السلام: "نعم، إن الله عز وجل يأمر الهواء أن يضغطه".

كيفية ضغطة القبر

استظهر العديد من العلماء من النصوص الواردة في ضغطة القبر أنها عبارة عن ضم القبر لبدن الإنسان المادي بحيث يضغطه ضغطاً قوياً.

ومن تلك النصوص ما ورد عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا وضع الميت في القبر وأهيل التراب عليه يقول أهله وعياله: وسيِّداه، وشريفاه، فيقول الملك الموكل: أتسمع ما يقولون فيقول: نعم فيقول له: أنت كنت الشريف، فيقول العبد: هم يقولون ذلك، يا ليتهم سكتوا، فيضيق عليه القبر فيختلف أضلاعه وينادي في قبره: واكسر عظماه، واذل موقفاه واموضع ندامتاه، واعنف سؤلاه.....".

وما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: "إن الكافر إذا دفن قالت الأرض: لا مرحباً ولا أهلاً، لقد كنت من أبغض من يمشي على ظهري، فإذا وليتك فستعلم كيف صنعي بك، فتضمه حتى تلتقي أضلاعه".

إلا أن هناك اتجاهاً آخر يذهب إلى تفسير الضغطة بأنها عبارة عن صدمة المفاجأة عند الانتقال إلى العالم الآخر الجديد، وتفسير ذلك ينطلق من كون المحرِّك للإنسان وانفعالاته تجاه أي شيء هو مدى معرفته بذلك الشيء، فلو كنتَ جالساً في مكان ما وهناك أفعى سامة قربك تتجه نحوك، فأنت لن تنفعل مع هذا الحدث طالما لا تعرفه، ولم تلتفت إليه، ولم تحتمله، بينما لو علمت ذلك لأخذت حذرك، ولعلك تقوم مرتعداً.

وحينما يكون المؤمن الموالي الذي شغف قلبه بصاحب العصر والزمان في الحج يطوف حول الكعبة الشريفة، قد يكون الإمام المهدي يطوف جنبه، بل قد يكون المنكب لصيقاً بمنكبه المبارك، ومع ذلك طالما أن هذا المؤمن لم يعرف من يطوف قربه، فإنه لا يتفاعل، لكن ماذا يكون موقفه لو عرف أن خاتم الأوصياء عليه السلام إلى جانبه؟!!!

إذن الذي يحرك الإنسان ليس الوجود الواقعي للشيء، بل معرفته بهذا الوجود.

وهذه المعرفة على درجات، والانفعال والتفاعل معها بحسب كل درجة.

فلو أن إنساناً فتح باباً مغلقاً فوجد أمامه حيواناً مفترساً متأهباً فإن حالات انفعالاته تختلف على أساس الصور التالية:

1- أن لا يكون لديه أدنى احتمال بوجود مثل هذا الحيوان، فإن درجة انفعاله ستكون عالية جداً، وقد تؤدي إلى إغمائه وربما أكثر.
2- أن يحتمل وجود مثل هذا الحيوان، وهنا من الطبيعي أن يكون عنده درجة من الاستعداد بحسب قيمة ذلك الاحتمال، ومن الواضح أن درجة انفعاله ستكون بحسب احتماله، ولكنها عادةً ستكون أقل من الصورة الأولى.
3- أن يكون مطلعاً على وجود حيوان مفترس محنَّط لا حياة فيه لكن لم يره من قبل، فهنا حينما يفتح الباب ويراه فإن درجة من الانفعال قد تحصل عنده بحسب درجة اعتقاده، بل بحسب تحول ذلك الاعتقاد النظري العقلي إلى معرفة قلبية والتي هي الأساس في انفعال الإنسان وتفاعله.

إن هذه الصور قد توضح ذلك الاتجاه القائل بأن ضغطة القبر عبارة عن صدمة المفاجأة.

فمن لا يكون معتقداً بالأصل بالعالم الآخر، فإن ضغطة القبر ستكون عليه شديدة جداً جداً، لأنها المفاجأة الصعبة التي من خلالها يدخل إلى عالمه الجديد الذي لم يتهيأ له.

ومن يكون لديه احتمال بوجود عالم آخر لكنه غير يقيني، وبالتالي لا يكون قد أعد العدة اللازمة له، فإنه أيضاً سيتفاجأ وبقدر احتماله ستكون مفاجأته أي ضغطة القبر، بخلاف من يكون على يقين بذلك العالم، وقد كتبه قلم عقله على لوح قلبه، فأعدَّ له الزاد المناسب، فهنا قد لا يتفاجأ فلا يكون أمام ضغطة قبر، بل استقبال عرائسي له من قبل الأرض المرحبة بقدومه والعالم الجديد التائق لانتسابه إليه.

وهؤلاء هم القلة الذين سأل عنهم أبو بصير الإمام الصادق عليه السلام، أيفلت من ضغطة القبر أحد؟ فقال عليه السلام: "نعوذ بالله منها، ما أقلّ من يفلت من ضغطة القبر".

أسباب ضغطة القبر

على أساس الاتجاه السابق في كيفية ضغطة القبر، فإن السبب الأساس لها هو عقائدي معرفي، لكن الروايات أشارت إلى أسباب مسلكية لهذه الضغطة، والتي يمكن أن تتماشى مع ذلك التفسير باعتبار أن الانحراف المسلكي عن خط الكمال المستقيم يعبِّر في خلفيته عن ضعف في العقيدة، ووهن في المعرفة. ومن هذه الأسباب نذكر:

1- تضييع النعم:
فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:"ضغطة القبر للمؤمن كفارة لما كان منه من تضييع النعم".

2- سوء الخلق مع الزوجة
فعن الإمام الصادق عليه السلام "أتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقيل له: إن سعد بن معاذ قد مات، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقام أصحابه معه، فأمر بغسل سعد، وهو قائم على عضادة الباب، فلما أن حنط وكفن وحمل على سريره، تبعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلا حذاء ولا رداء، ثم كان يأخذ يمنة السرير مرة، ويسرة السرير مرة، حتى انتهى به إلى القبر، فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى لحده وسوَّى اللبن عليه، وجعل يقول: ناولوني حجراً، ناولوني تراباً رطباً، يسد به ما بين اللبن، فلما أن فرغ وحثا التراب عليه وسوى قبره، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إني لأعلم أنه سيبلى، ويصل البلى إليه، ولكن الله يحب عبداً إذا عمل عملاً أحكمه، فلما أن سوّى التربة عليه قالت أُم سعد: يا سعد هنيئاً لك الجنة. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا أم سعد، مه! لا تجزمي على ربك، فإن سعداً قد أصابته ضمة. فرجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورجع الناس، فقالوا له: يا رسول الله، لقد رأيناك صنعت على سعد ما لم تصنعه على أحد، إنك تبعت جنازته بلا رداء ولا حذاء. فقال صلى الله عليه وآله وسلم إن الملائكة كانت بلا رداء ولا حذاء، فتأسيت بها. قالوا: وكنت تأخذ يمنة السرير مرة ويسرة السرير مرة. قال: كانت يدي في يد جبرائيل آخذ حيث يأخذ. قالوا: أمرت بغسله، وصليت على جنازته، ولحدته في قبره، ثم قلت: إن سعداً قد أصابته ضمة! قال: فقال صلى الله عليه وآله وسلم: نعم إنه كان في خلقه مع أهله سوء.

3- النميمة:
فعن الإمام علي عليه السلام: "عذاب القبر يكون من النميمة".

4- عدم الاهتمام بالطهارة:
ورد أن من أسباب عذاب القبر هو عدم الاحتراز من البول وعدم الاهتمام بالطهارة منه، ففي تكملة للحديث السابق عن الإمام علي عليه السلام: "عذاب القبر يكون من النميمة والبول".
ويتابع الحديث قائلاً "وعزب الرجل عن أهله" الذي يعني الابتعاد عنها وهذا ما يرجع إلى سوء الخلق مع الأهل.


* نداء الرحيل، الشيخ أكرم بركات.

01-09-2013 عدد القراءات 8938



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا