19 كانون الأول 2018 م الموافق لـ 11 ربيع الثاني 1440 هـ
En FR

القرآن الكريم :: وصايا قرآنية

الوالدان عطاء دون مقابل



قال تعالى: ﴿ وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا 1.
إنّه إخبار قرآني عن قضاء ربانيّ تعلّق بأمرين:
1- حصر العبادة بالله تعالى وحده.
2- الإحسان إلى الوالدين.


فما هو السرّ الذي جمع بينهما في قضاء الله تعالى؟

لعلّ الإجابة تكمن في تلك الصفة الربّانية التي زرعها الله عزّ وجل في الوالدين، ففي الله تعالى صفة العطاء دون مقابل، لأنّه عزّ وجل كمال مطلق، غنيٌّ لا يحتاج إلى شيء، فهو خلق، وشرّع، ويدبّر، ويرزق، ويُعطي، ولا يريد شيئًا لنفسه، بل هدفه أن يتكامل المخلوق في حياته، فسعادة الإنسان هي هدف خلقه، ومواكبة الله تعالى له، وفي الوالدين صفة، هي بمثابة تجلٍّ لتلك الصفة الإلهيّة، ألا وهي العطاء من دون مقابل، فالأمّ تحمل تسعة أشهر بجهد، وعناء، وتحمّل، وعند الولادة قد تشعر بألم شديد، وكأنّ نفسها تنازعها الخروج من الجسد، وبعد الولادة تسهر لينام طفلها، وتتعب ليرتاح، وتتألم ليسكن، ويكبر ولدها، ويزداد جهد متابعته، وهكذا الوالد، فإنّه يُجهد نفسه ليؤمّن الراحة لولده، ويشقى في عمله ليؤمّن العيش الكريم لولده.

ورغم كلّ العناء والتضحية من الوالدين لأجل ولديهما، فإنّهما لا يريدان منه مقابلاً لنفسيهما، بل هدفهما أن يسعد هو في حياته، إنّه العطاء من دون مقابل من الوالدين، وقبلهما، ومعهما، وبعدهما من الله تعالى.

مقابلة العطاء دون مقابل

عند التأمّل بعطاء الله تعالى ندرك جيدًا أنّنا لا يمكن أن نقابله بأي شكر، فكلّ ما نفعله تعبيرًا عن الشكر، هو نفسه، عطاء من الله، يقتضي شكرًا، وبتعبير الإمام زين العابدين عليه السلام: "فكيف لي بتحصيل الشكر، وشكري إياك يفتقر إلى شكر"2.

لذا لا يمكن لأيّ أحد أن يشكر الله تعالى بما يستحقّه من الشكر.

ولأنّ عطاء الوالدين يشبه عطاء الله تعالى، فهو أيضًا لا يمكن للولد أن يقابله بالمثيل له.

ورد أنّه جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وقال: "يا رسول الله إنّي حملت أمي على عنقي فرسخين في رمضاء شديدة، لو ألقيت فيها بضعًا من لحمٍ لنضجت، فهل أدّيت حقّ شكرها، فقال لعله أن يكون بطلقة واحدة"3.

نماذج من المقام الرفيع للوالدين

لأجل ما تقدّم، رفع الله تعالى مقام الوالدين، بشكل استثنائيّ، يمكن أن نلاحظه من خلال الأمور الآتية:

1- لا عبادة مقبولة مع أذيّتهما
تماشيًا مع الربط بين عبادة الله الواحد، والإحسان إلى الوالدين، أفصحت بعض الروايات الدينيّة عن الربط بين قبول عبادة الإنسان وأذيّته لوالديه، ولو كانت بمستوى نظرة كره وبغض إليهما، دون تحريك الشفتين بأيّة كلمة، أو الجوارح بأيّة حركة، ففي الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام: "من نظر إلى والديه نظر ماقتٍ، وهما ظالمان له، لم تقبل له صلاة"4.

2- لا كرامة خاصة أمام الوالدين
ورد في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام: "إنّ الله عزّ وجل فوّض إلى المؤمن أموره كلّها ولم يفوّض له أن يذلّ نفسه..."5. لكن الأمر مع الوالدين مختلف، فإن أخطأ الوالدان مع الولد بما يعتبره إنقاصًا لكرامته وذلاّ له، فإنّ الله تعالى يجيبه بوضوح ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ6.

3- لا خاتمة حسنة مع سخط الوالدين
ورد أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حضر شابًا يحتضر، فقال له صلى الله عليه وآله وسلم: " قل لا إله إلا الله، قال: فاعتقل لسانه مرارًا، فقال لامرأة عند رأسه: هل لهذا أم؟ قالت نعم أنا أمّه، قال أفساخطة أنت عليه؟ قالت: نعم، ما كلمته منذ ستِّ حجج، قال لها: أرضي عنه، قالت رضي الله عنه برضاك يا رسول الله. فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قل لا إله إلاّ الله، قال فقالها، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما ترى؟ فقال أرى رجلاً أسودَ، قبيح المنظر، وسخ الثياب، منتن الريح قد وليني الساعة..."7.

4- برّ الوالدين يطيل العمر
ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: "يا ميسّر قد حضر أجلك غير مرة، ولا مرتين، كلّ ذلك يؤخّر الله أجلك، لصلتك قرابتك، وإن كنت تريد أن يزاد في عمرك فبرّ شيخيك"8.

5- برّ الوالدين يزيد الرزق والمحبّة
ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "من يضمن لي برّ الوالدين وصلة الرحم أضمن له كثرة المال، وزيادة العمر، والمحبّة في العشيرة"9.

6- برّ الوالدين باب التوبة
ورد أنّ شابًا قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما من عملٍ قبيحٍ إلاّ عملته فهل لي من توبة؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فهل من والديك أحد حيٌّ؟ قال: أبي، قال: فاذهب فبرّه، قال: فلمّا ولي قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لو كانت أمّه"10.

7- برّ الوالدين يخفّف سكرات الموت
ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: "من أحبّ أن يخفّف الله عزّ وجل عنه سكرات الموت، فليكن لقرابته وصولاً، وبوالديه بارًّا، فإذا كان كذلك، هوّن الله عليه سكرات الموت، ولم يصبه في حياته فقر أبدًا"11.

8- قبر الوالدين موضع لاستجابة الدعاء
ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: "زوروا موتاكم فإنّهم يفرحون بزيارتكم وليطلب أحدكم حاجته عند قبر أبيه وعند قبر أمّه بما يدعو لهما"12.

9- برّ الوالدين يستمر بعد وفاتهما
ورد عن الإمام الباقر عليه السلام: "إنّ العبد ليكون باراً لوالديه في حياتهما، ثم يموتان فلا يقضي عنهما دينهما، ولا يستغفر لهما، فيكتبه الله عزّ وجل عاقًّا، وإنّه ليكون عاقًّا لهما في حياتهما غير بارٍّ بهما، فإذا ماتا قضى دينهما، واستغفر لهما، فيكتبه الله عزّ وجل بارًّا"13.

وقد أوضحت الروايات أن البرّ بالوالدين ينفعهما بعد موتهما، باعتبار أنّ عمل الولد يرجع لصالحهما باعتبارهما أصلاً له، ففي الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام ما يؤكّد هذا المضمون، وهو قوله عليه السلام: "ليس يتبع الرجل بعد موته من الأجر إلاّ ثلاث خصال:
1- صدقة أجراها في حياته، فهي تجري بعد موته.
2- وسُنّة هدًى سنّها، فهي تعمل بها بعد موته.
3- وولد صالح يستغفر له
"
14.

وكتطبيق عمليّ لهذه الحقيقة، يخبرنا النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم بقصّة حصلت مع نبيّ الله عيسى عليه السلام، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "مرّ عيسى بن مريم بقبر يعذَّب صاحبه، ثمّ مرّ به من قابل15، فإذا هو ليس يعذّب، فقال: يا ربّ، مررت بهذا القبر عام أوّل، فكان صاحبه يعذّب، ثمّ مررت به العام، فإذا هو ليس يعذّب، فأوحى الله إليه: يا روح الله، إنّه أدرك له ولد صالح، فأصلح طريقًا، وآوى يتيمًا، فغفرت له بما عمل ابنه"16.

ومن لطيف ما حُكي في هذا الموضوع أنّ أحدهم قال: "إني كنت زاهدًا في الولد حتى وقفت بعرَفَة، فإذا إلى جنبي غلام شابّ يدعو، ويبكي، ويقول: يا ربّ والديّ، فرغّبني في الولد حين سمعت ذلك"17.

عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "سيّد الأبرار يوم القيامة رجل برّ والديه بعد موتهما"18.

10- برّ الوالدين أفضل من العبادات
ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "برّ الوالدين أفضل من الصلاة والصوم والحجّ والعمرة والجهاد في سبيل الله"19.

* آية الوصايا العشر، الشيخ أكرم بركات.


1- سورة النساء، الآية 36.
2- الإمام زين العابدين، الصحيفة السجادية، مناجاة المطيعين، تحقيق محمد باقر الابطحي، ط1، قم، مؤسسة المهدي ومؤسسة الأنصاريان، 1411، ص 410.
3- الطبراني، المعجم الصغير، (لا،ط)، بيروت، (لا،ن)، (لا،ت)، ج1، ص 93.
4- النوري، حسين، مستدرك الوسائل، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت، ط2، بيروت، 1988، ج15، ص195.
5- الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج5، ص 63.
6- سورة الإسراء، الآية 24.
7- المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوارج71، ص 75.
8- المصدر السابق، ص84.
9- البروجردي، جامع أحاديث الشيعة، (لا،ط)، 1371، ج21، ص427.
10- المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج71، ص82.
11- المصدر السابق، ص66.
12- الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج3، ص 230.
13- المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج71، ص59.
14- المصدر السابق، ج104، ص100.
15- (بعد عام).
16- المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج71، ص101.
17- الحر العاملي، محمد حسن، وسائل الشيعة، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت، ط2، قم، مهر، 14ف14هـ، ج15، ص95.
18- الحر العاملي، محمد حسن، وسائل الشيعة، ج71، ص86.
19- النراقي، محمد مهدي، جامع السعادات، تحقيق محمد كلانتر، (لا،ط)، النجف الأشرف، دار النعمان، (لا،ت)، ج2، ص 203.

07-08-2013 عدد القراءات 7180



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا