21 أيلول 2017 الموافق لـ 30 ذو الحجة 1438
En FR

إضاءات إسلامية :: مواعظ في سطور

مواعظ في سطور-2



معرفة سلامة القلب
إن من مقاييس معرفة سلامة القلب، هو البحث عن (محور) اهتمام القلب ومصب اهتمامه، وما هو الغالب على همه..فإن كان المحور هو الحق صار القلب إلهـيّا تبعا لمحوره، وإلا استحال القلب إلى ما هو محور اهتمامه، ولو كان أمراً تافها، كما ذكر أمير المؤمنين لنوف قائلاً: (من أحبنا كان معنا يوم القيامة، ولو أن رجلاً أحب حجراً لحشره الله معه) البحار-ج77ص384.. وقد ورد في الحديث القدسي ما يمكن استفادة هذا المعنى منه: (إذا علمت أن الغالب على عبدي الاشتغال بي، نقلت شهوته في مسألتي ومناجاتي، فإذا كان عندي كذلك، فأراد أن يسهو حلت بينه وبين أن يسهو) البحار-ج93ص162.. وقد سمي القلب قلباً لشدة تقلبه، ومن هنا لزم (تعهّد) محور القلب في كل وقت، تحاشيا (لانقلابه) عن محوره، متأثراً باهتمام قلبه فيما يفسده ويغيّر من جهة ميله.

شهوة الشهرة
إن من الشهوات التي تستهوي الخواص من العباد هو حب الشهرة، فيبذلون لأجلها الكثير، فضلاً عن إيقاع أنفسهم في موجبات الردى، وارتكاب ما لا يمكن التكفير عنه..والحال أن واقع الشهرة هو ميل الإنسان لانطباع صورته الحسنة في قلوب الآخرين.. فالأجدر به أن يسأل نفسه: أنه ما قيمة (رض) القلوب قياسا إلى رضا رب القلوب، فضلا عن ذلك (الاعتبار) النفسي فيها ؟! وهل (يمتلك) هذه الصور الذهنية لتكون جزء من كيانه يلتذ بوجدانها ؟! وهل (يضمن) بقاء هذه الصور المحسَّنة في قلوب العامة الذين تتجاذبهم الأهواء، فلا ضمان لقرارهم ولا ثبات لمواقفهم ؟!.. والحل الجامع هو الالتفات إلى حقيقة فناء ما هو دون الحق، وبقاء وجه الرب الذي ببقائه يبقى ما هو منتسب إليه، مصداقا لقوله تعالى: (كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام).

موطن المعاني هو القلب
إن الكثير من المعاني التي تستوطن (القلب) نحبسها في سجن عالم (الألفاظ)..وكأنّ تلك المعاني تتحقق بإمرار مضامينها على اللسان لقلقة لا تدبر فيها..فمن هذه المعاني: الاستعاذة، والشكر، والاستغفار، والدعاء، والرهبة، وغير ذلك مما بنبغي صدورها من القلب، تحقيقا لماهيتها الواقعية لا الإدعائية..فالخوف المستلزم للاستعاذة، والندم المستلزم للاستغفار، والخجل المستلزم للشكر، والافتقار المستلزم للدعاء، كلها معانٍ (منقدحة) في القلب..والألفاظ إنما تشير إلى هذه المعاني المتحققة في رتبة سابقة أو مقارنة، فالحق: إن الكلام لفي الفؤاد وانما جعل اللسان على الفؤاد دليلا.

سعة مجال الإستجابة
إن من دواعي (الانصراف) عن الدعاء، هو (اليأس) من الاستجابة في كثير من المواطن..ولو أعتقد العبد اعتقادا يقينيا بامتداد ساحة حياته، لتشمل حياة ما بعد الموت إلى الخلود في القيامة، لرأى أن مجال الاستجابة يستوعب هذه الفترة كلها، بل إنه أحوج ما يكون للاستجابة في تلك المراحل العصيبة من مـواقف القيامة..ولهذا يتمنى العبد أنه لم تستجب له دعوة واحدة في الدنيا، ومن هنا ورد في الدعاء: (ولعل الذي أبطأ عني هو خير لي، لعلمك بعاقبة الأُمور)..إن وعي هذه الأمور يجعل الداعي (مصر) في دعائه، غير مكترث بالاستجابة العاجلة، يضاف إلى كل ذلك تلذذه بنفس الحديث مع رب العالمين، إذ أذن له في مناجاته ومسألته.

اللوامة والأمارة
إن من المعلوم إيداع المولى في نفوس عباده ما يردعهم عن الفاحشة، وهو ما يعبر عنه بنداء الفطرة أو حكم العقل أو النفس اللوامة..إلا أن (تراكم) الذنوب وعدم الاكتراث بتلك النداءات - بل العمل بخلافها - مما (يطفئ) ذلك الوميض الإلهي، فلا يجد الإنسان بعدها رادعا في باطنه، بل تنقلب النفس اللوامة إلى نفس أمارة بالسوء، تدعو إلى ارتكاب بوائق الأمور إذ: (زين لهم الشيطان أعمالهم)..ولهذا يستعيذ أمير المؤمنين (ع) قائلا: (أعوذ بالله من سبات العقل)البحار-ج41ص162..(فسبات) العقل يلازم (استيقاظ) الأهواء والشهوات، إلى درجة يموت معه العقل بعد السبات.

الجن والشياطين
اعتاد البعض على الخوف من قضايا الجن، وإيذائهم لبني آدم مع ما ينسجونه في هذا المجال من أنواع الخيال والأساطير..والأجدر بهم أن ينتابهم الخوف من حقيقة أشد ملامسة لواقع البشر وأخطر على مسيرته وهي قضية إبليس..فانه قد أقسم على إغواء البشر بشتى صنوفه، لا يستثنى منهم أحدا إلا عباد الله المخلصين..وهذا الخوف من الخوف (المحمود) بخلاف الخوف الأول، لما يستلزمه من الحذر لئلا يقع في حباله..والمشكلة في هذا العدو أنه لا يترك الإنسان حتى لو تركه، وكف عن عداوته، بل يزداد (التصاق) بالعبد كلما (أهمله) أو داهنه.

الرفق بالمبتدئين
إن نفوس المبتدئين في عالم تكامل (الأرواح)، بمثابة نفوس الناشئة في عالم تكامل (الأبدان) الذين لا يجدي معهم أساليب القهر والتعسف..بل لابد من (الرّفق) بهم أولا، وإتّباع (المرحلية) في تربيتهم ثانيا، والدخول إليهم من المداخل (المحببة) إليهم ثالثاً..وهكذا الأمر في النفوس، فإنها جموحة غير سلسة القياد، فلا نكلفها فوق طاقتها، إذ في الحديث الشريف: (إن هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق)..ولا نكلفها المراحل العليا، إلا بعد استيفاء المراحل قبلها، وينبغي (التحايل) عليها فنعطيها اليسير من الحلال لتمكّننا في الكثير من الطاعة، ونرفع عنها كلفة النوافل عند الإدبار لئلا تدبر عند الفرائض، ونرغّبها في العظيم من اللذائذ الآجلة، لتزهد في المهالك من اللذائذ العاجلة..وقد ورد عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال: (خادع نفسك في العبادة وارفق بها ولا تقهرها، وخذ عفوها ونشاطها إلا ما كان مكتوبا عليك من الفريضة، فإنه لا بد لك من قضائه)- البحارج33ص508.

النمو المتصل والمنفصل
للإنسان نوعان من النمو، الأول: وهو النمو في نطاق ذاته - وما به قوام إنسانيته - كالنمو في الجانب العلمي والعملي، وهو النمو (المتصل)..والثاني: وهو النمو خارج دائرة ذاته كالنماء في ماله وما شاكله من متاع الدنيا، وهو النمو (المنفصل)..هذه الزيادات الخارجة عن دائرة ذاته لا تعطيه قيمة (ذاتـيّة) توجب له الترفع على الذوات الأخرى، فالذات الواجدة والفاقدة - لما هو خارج عن دائرة الذات - تكونان على حد سواء..فلا تفاضل بين ذات الواجد والفاقد للمال والجاه وغيرهما، إلا بالنمو الذاتي الذي أشرنا إليه أولاً، وأما التفاضل الاعتباري فلا وزن له..وتتجلى هذه الحقيقة المرّة عند الموت، حيث يتعرى الإنسان من كل هذه الزيادات المنفصلة الخادعة، فيقول الحق محذرا: (ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة).

النسبية فيما يعني
يلزم الالتفات إلى (النسبية) في قضية ما يعني وما لايعني..فإن الأمر قد يكون الدخول فيه نافعاً بالنسبة إلى فرد دون آخر، وعليه فلا يكتفي العبد - في مقام العبودية - بالنفع العام أو النفع الخاص للآخرين، بل لابد من ملاحظة النفع الخاص بالنسبة إليه، وهو ما يعنيه بالخصوص..فالذي يخوض في الخلافات بين العباد - من دون وجود تأثير في خوضه لا علماً ولا عملاً - لهو من الخائضين في الباطل، وتترتب عليه الآثار من (قساوة) القلب، و(زلل) القول والفعل، مما يكون العاقل في غنىً عنه..وقس عليه باقي موارد النسبية فيما لا يعني العبد.

الجو الجماعي للطاعة
عندما يقع العبد في الأجواء العبادية المحفزة - لوجود الجو الجماعي - كالحج وشهر رمضان، يجد في نفسه قدرة (مضاعفة) على العبادة، لم يعهدها من نفسه، بل لم يتوقعها منها..وهذا بدوره يدل على وجود طاقات (كامنة) في نفسه، لم يستخرجها بل لم يود إخراجها، مما يشكل حجة على العبد يوم القيامة توجب له الحسرة الدائمة..وعليه فلابد من (استغلال) ساعات هطول الغيث الإلهي، ليستفيد منها في ساعات الجدب، فيكون كمن زرع بذرة ونمّاها في مشتله، ثم إذا اشتد عودها زرعها في مزرعته، ليجني ثمارها ولو بعد حين..فتلك الأجواء العبادية المحفزة، بمثابة المشتل الذي يزرع فيه الإنسان بذور الخير، ليستنبتها عند العودة إلى بيئته التي تتلاشى فيها تلك الأجواء المقدسة.

إدامة حالة الرقة
قد تنتاب الإنسان ساعة إقبال وهو في حالة معينة من قيام أو قعود أو خلوة..فيستحسن (البقاء) في تلك الهيئة الخاصة لئلا (يرتفع) حضوره و إقباله..وذلك كمن أدركته الرقة وهو في حال القنوت، فعليه الإطالة في تلك الحالة، لئلا تزول في الركوع مثلا..أو كمن أقبل على ربه في المسجد، فعليه ألاّ يستعجل الخروج، حذراً من زوال تلك الحالة، أو كمن كان له أنس في (خلوة)، فعليه ألا يسارع في الانتقال إلى جلوات الآخرين.

الذكر في الغافلين
يتأكد على العبد (الإكثار) من ذكر الله تعالى في البقاع التي لا (يتعارف) فيها ذكره كبلاد الكفر، أو مواطن المعصية، أو مواطن الغفلة كالأسواق، أو مجالس البطالين فقد ورد: (أكثروا ذكر الله إذا دخلتم الأسواق وعند اشتغال الناس)البحار-ج93ص154..فإن في الذكر- عند الغافلين - من عطاء الحق ومباركته، ما ليس في الذكر عند الذاكرين، وقد وُصف في الأخبار بأنه كالمقاتل بين الهاربين..ومِثْل هذا العبد ممن يُباهى به الملائكة، لأنه كان في (مظان) الغفلة وخرج عنها بإرادته، منتصراً على دواعي الغفلة..وقد ورد في الخبر: (ما من مجلس يجتمع فيه أبرار وفجار، ثم تفرقوا على غير ذكر الله، إلا كان ذلك حسرة عليهم يوم القيامة) البحار-ج75 ص468.

01-07-2013 عدد القراءات 4157



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا