19 أيلول 2017 الموافق لـ 28 ذو الحجة 1438
En FR

الكلمات القصار :: كلمات عرفانية

100 كلمة عرفانية للإمام الخميني قدس سره



إنَّها كلمات تخرج من قلب العارف لتخاطب الوجدان وتتحادث مع شغاف القلب المفعم بالعشق الإلهي.

توقظه، ترشده، تنبهه إلى ما خفي عليه، لطائف قد خفيت على الكثيرين، أو أغفلها الكثيرون.

أردنا في هذه الصفحات أن نشير إلى ضوء ساطع، من إمامٍ كان نبراساً لهذه الأمة، رسم لها طريق عزَّتها، وكرامتها، وعلّمها أن العبودية الخالصة هي طريق التحرُّر والحرية.

في هذه الكلمات المختارة من كتابي (الأربعون حديثاً) و (جنود العقل والجهل) نثار من ورد واصل إلى الله، في ذكرى ارتحال هذا الواصل إلى الرفيق الأعلى نهديها إلى كل عزيز وحبيب وعاشق للوصال مع ربّ العزّة والجلال.


1- تأمّل أيها الشخص المرائي... يا منْ أودعت العقائد الحقّة والمعارف الإلهية بيد عدوّ الله، وهو الشيطان، وأعطيت مختصّات الحق تعالى للآخرين، وبدّلتَ تلك الأنوار التي تضيء الروح والقلب وهي رأسمال النجاة والسعادة الأبدية ومنبع اللّقاء الإلهي وبذرة القرب من المحبوب، أبدلتها بظلماتٍ موحشة وشقاءٍ أبدي وجعلتها رأسمال البُعد والابتعاد عن ساحة المحبوب المقدّسة، والابتعاد عن لقاء الله تعالى.

2- تهيّأ، أيها المرائي، للظلمات التي لا نور بعدها، وللشدائد التي لا فرج لها، وللأمراض التي لا يرجى شفاؤها، وللموت الذي لا حياة معه، وللنار التي تخرج من باطن القلب فتحرق ملكوت النفس وملك البدن حرقاً لم يخطر على قلبي وقلبك، والتي يخبرنا عنها الله تعالى في كتابه المنزل في الآية الشريفة: ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ.

3- الله تعالى هو صاحب القلب والمتصرّف فيه، وأما العبد الضعيف العاجز فلا يستطيع أن يتصرّف بقلبه دون إذنه، بل إنّ إرادته قاهرة لإرادتك ولإرادة جميع الموجودات. إذاً، فمراءاتك تملّقك، إذا كانا لأجل جذب قلوب العباد، ولفت نظرهم، ومن أجل الحصول على المنزلة والتقدير في القلوب والاشتهار بالصلاح، فإنَّ ذلك خارج كلية عن تصرفك، وهو تحت تصرّف الله، فإله القلوب وصاحبها يوجّه القلوب نحو من يشاء.

4- إذا كنتَ مخلصاً فلماذا لا تجري ينابيع الحكمة من قلبك على لسانك مع أنك تعمل أربعين سنة قربة إلى الله حسب تصوّرك؟ في حين أنه ورد في الحديث الشريف عن الرضا عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مَا خَلُصَ عَبْدٌ للهِ عَزَّ وَجَلَّ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً إلاَّ جَرَتْ يَنَابِيعُ الْحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ"، إذاً؛ فاعلم أنّ أعمالنا غير خالصة لله، ولكننا لا ندري، وها هنا الداء الذي لا دواء له.

5- أُطلبْ من الله الرحيم في كل حين، وخصوصاً في الخلوات، وبتضرّع وعجز وتذلّل، أن يهديك بنور التوحيد، وأن ينوّر قلبك ببارقة غيب التوحيد في الإيمان والعبادة، حتى تعلم أنّ جميع العالم الواهي وكل ما فيه يكون لا شيء. واسأل الذات المقدّسة بكل تضرّع أن يجعل أعمالك خالصة وأن يهديك إلى طريق الخلوص والولاء.

6- لا تعيبوا على أحد، حتى في قلوبكم، وإن كان كافراً، فلعلّ نور فطرته يهديه، ويقودكم تقبيحكم ولومكم هذا إلى سوء العاقبة.

7- أيها المسكين! أنت في حضرة الله جلَّ جلاله، وفي محضر الملائكة المقرَّبين، تعمل خلاف رضا الله تعالى، والعبادة التي هي معراج القرب من الله، تؤدّيها لأجل النفس الأمَّارة بالسّوء ولأجل الشيطان.

8- إنّ الصلاة التي لا تَنهى عن الفحشاء ولا تحافظ على القلب، بل لكثرتها تبعث على ضياع القلب، إن مثل هذه الطاعة ليست بصلاة. إنّ صلاتك التي تحافظ عليها كثيراً وتحرص على إقامتها، إذا كانت تقرّبك من الشيطان وخصيصته من الكِبر، فهي ليست بصلاة، لأنّ الصلاة لا تستدعي ذلك.

9- إن الكِبر من أخلاق الشيطان الخاصة. فقد تكبّر على أبيك آدم، فطُرد من حضرة الله، وأنت أيضاً مطرود لأنّك تتكبّر على كل الآدميين من أبناء آدم.

10- إذا كنت من أهل الإيمان الناقص والصوري، فعليك أن تطهّر نفسك من هذا الغشّ حتى تنضمّ إلى زمرة السعداء والصالحين. والغشّ يزول بنار التوبة والندم، وبإدخال النفس في أتون العذاب واللّوم، وصهرها في حرارة الندامة والعودة إلى الله. عليك أن تعمل في هذا العالم، وإلا فإنّ ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ سوف تذيب قلبك. والله أعلم كم قرناً من قرون الآخرة يستغرق إصلاحك هذا!

11- أيها الأخ، ما دمت في مقتبل عمرك، وزهرة شبابك، وأوج قوتك، وحرية إرادتك، سارع لإصلاح نفسك، ولا تُلقِ بالاً لهذا الجاه والمقام، وطأ على هذه الاعتبارات بقدميك، إنك إنسان، فابعد نفسك عن صفات الشيطان.

12- إنّ الضيق والضغط والكدر والظلام الذي يحصل في القلب بسبب الحسد قلّما يوجد في خُلق فاسد آخر. وعلى أي حال إنّ صاحب هذا الخُلق يعيش في الدنيا معذّباً مبتلىً، ويكون له في القبر ضيق وظلمة، ويحشر في الآخرة مسكيناً متألماً.

13- فيا عزيزي؛ إنّ الوقوف منذ البداية دون تسرّب المفاسد الأخلاقية أو العملية إلى مملكة ظاهرك وباطنك، أيسر بكثير من إخراجها بعد توغّلها، لأنّ ذلك يتطلّب الكثير من العناء والجهد. وإذا تسرّبت، فإنّك كلّما أخّرت التصدّي لإخراجها، ازداد الجهد المطلوب منك وضعفت قواك الداخلية.

14- كلّما ازداد التلذّذ بالدنيا، اشتدّ تأثر القلب وتعلّقه بها وحبّه لها، إلى أن يتّجه القلب كُلّياً نحو الدنيا وزخارفها، وهذا يبعث على الكثير من المفاسد.

15- إن القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتنفيذ الحدود والتعزيرات وسائر التعاليم السياسية الدينية والعقلية، لا يكون إلاّ في ظلّ القوة الغضبية الشريفة. وعلى ذلك، فإن الذين يظنون أن قتل غريزة الغضب بالكامل وإخماد أنفاسها يعدّ من الكمالات والمعارج النفسية إنّما يرتكبون خطيئة عظيمة، ويغفلون عن حدّ الكمال ومقام الاعتدال.

16- إن القلب إذا غطّاه صدأ حُبّ الذات والأرحام والتعصّب القومي الجاهلي، فلن يكون فيه مكان لنور الإيمان، ولا موضع للاختلاء مع الله ذي الجلال تعالى.

17- إن الإنسان العارف بالحقائق يعلم أن جميع العصبيات والارتباطات ليست سوى أمور عرضية زائلة، إلاّ تلك العلاقة بين الخالق والمخلوق. وتلك هي العصبية الحقيقية التي هي أمر ذاتي غير قابل للزوال، وهو أوثق من كل ارتباط، وأقوى من كل حسب وأسمى من كل نسب.

18- إن أولياء الله لم يخلدوا إلى الراحة أبداً، وكانوا دائمي الخوف من هذه الرحلة المحفوفة بالمخاطر. إن حالات علي بن الحسين عليه السلام، الإمام المعصوم، تثير الحيرة، وأنين أمير المؤمنين عليّ عليه السلام، الوليّ المطلق، تبعث على الدهشة. ما الذي جرى لنكون على هذا القدر من الغفلة؟ مَنْ الذي جعلنا نطمئن؟ إنّه لا يُغرينا أحد بتأجيل عمل اليوم إلى الغد إلاّ الشيطان.

19- إذا انتزع الشيطان، لا سمح الله، وسائل الإيمان من يدك، فلن تكون جديراً بالرحمة والشفاعة. نعم، رحمة الله واسعة في الدّارين. فإذا كنت تطلب الرحمة، فلماذا لا تستفيد من فيوضات الرحمة المتتالية في هذه الدنيا، وهي بذور الرحمات الأخرى؟

20- إذا لم يقف الإنسان بوجه هذه الصفة ولم يردعها، وترك نفسه وشأنها، فلن يمضيَ وقت طويل حتى يفلت الزّمام منه، ويصبح كلّ همّه واهتمامه منصباً على تلك الرّذيلة، حتى أنه لا يلتقي شخصاً إلاّ وعامله معاملة ذي الوجهين وذي اللّسانين، ولا يعاشر أحداً إلاّ وخالطت معاشرته تلك الصفة من التلوّن والنفاق، دون أن يخطر له شيء سوى منافعه الخاصة وأنانيته وعبادته لذاته، واضعاً تحت قدميه الصداقة والحميّة والهمّة والرجولة، ومتّسماً في كل حركاته وسكناته بالتلوّن، ولا يمتنع عن أي فساد وقبح ووقاحة. إن شخصاً هذا شأنه يكون بعيداً عن البشرية والإنسانية، ومحشوراً مع الشياطين.

21- يا من تدّعي الإيمان وخضوع القلب في حضرة الله ذي الجلال، إذا كنت تؤمن بكلمة التوحيد، ولا يعبد قلبك غير الواحد، ولا يطلب غيره، ولا ترى الألوهية تستحق إلاّ لذاته المقدسة، وإذا كان ظاهرك وباطنك يتفقان فيما تدّعي، فلماذا نجدك وقد خضع قلبك لأهل الدنيا كل هذا الخضوع؟ لماذا تعبدهم؟ أليس ذلك لأنك ترى لهم تأثيراً في هذا العالم، وترى أن إرادتهم هي النافذة، وترى أنّ المال والقوة هما الطاقة المؤثرة والفاعلة؟ وأن ما لا تراه فاعلاً في هذا العالم هو إرادة الحق تعالى، فتخضع لجميع الأسباب الظاهرية، وتغفل عن المؤثر الحقيقي وعن مسبّب جميع الأسباب، ومع كل ذلك تدّعي الإيمان بكلمة التوحيد. إذاً، فأنت أيضاً خارج عن زمرة المؤمنين، وداخل في زمرة المنافقين ومحشور مع أصحاب اللّسانين.

22- يا من تدّعي الزهد والإخلاص، إذا كنت مخلصاً حقاً، وأنك لأجل الله ولأجل دار كرامته تزهد عن مشتهيات الدنيا، فما الذي يحملك على أن تفرح بمدح الناس لك والثناء عليك بقولهم إنك من أهل الصلاح والسداد، فيملأ السرور قلبك؟ ولماذا لا تبخل بشيء في سبيل مجالسة أهل الدنيا وفي سبيل زخارفها، وتفرّ من الفقراء والمساكين؟

فاعلم أن زهدك وإخلاصك ليسا حقيقيين، بل إن زهدك في الدنيا هو من أجل الدنيا، وأن قلبك ليس خالصاً لوجه الله، وأنك كاذب في دعواك، وأنك من المتلوّنين المنافقين.

23- يا أيتها النفس اللّئيمة التي تتظاهرين بالتفكير للخروج من الأيام المظلمة والنجاة من هذه التعاسة، إذا كنت صادقة، وقلبك يواكب لسانك، وسرّك يطابق علنك، فلماذا أنتِ غافلة إلى هذا الحد؟ ولماذا يسيطر عليكِ القلب المظلم والشهوات النفسانية وتتغلّب عليك، دون أن تفكري في رحلة الموت المليئة بالمخاطر؟

24- لقد تصرّم عمرك دون أن تبتعد عن أهوائك ورغباتك. لقد أمضيت عمراً منغمساً في الشهوة والغفلة والشقاء وسيحلّ الأجل قريباً، وأنت ما زلت تمارس أعمالك وأخلاقك القبيحة. فأنت نفسك واعظ غير متّعظ، ومن زمرة المنافقين وذوي الوجهين. ولئن بقيت على هذا الحال فستحشر بوجهين ولسانين من نار...

25- يا أخي، إذا كنت تعرف أنك من أتباع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وتريد أن تحقق هدفه، فاعمل على أن لا تضعه موضع الخجل بقبيح عملك وسوء فعلك. ترى إذا كان أحد من أولادك والمقرّبين إليك يعمل القبيح وغير المناسب من الأعمال التي تتعارض وشأنك، فكم سيكون ذلك مدعاة لخجلك من الناس وسبباً في طأطأة رأسك أمامهم؟

26- الويل لنا نحن الغافلين الذين لا نستيقظ من النوم حتى آخر العمر. نبقى في سُكر الطبيعة غارقين، بل نزداد كل يوم سُكراً وغفلة، ولا نفهم شيئاً سوى الحالة الحيوانية من مأكل ومشرب ومنكح، ومهما فعلنا، وإن كان من سنخ العبادات، فإنما نفعله في سبيل البطن والفرج. أتحسب أن صلاة خليل الرحمن كانت مثل صلاتنا؟ الخليل لم يطلب حاجة حتى من جبرائيل، ونحن نطلب حاجاتنا من الشيطان نفسه ظناً منّا بأنه يقضي الحاجات.

27- إلهي وربي! إن أيدينا عن كل شيء قاصرة، ونحن عارفون بأننا ناقصون وتافهون، ولا نملك ما يليق بأعتاب قدسك. كلّنا نقص وعيب. ظاهرنا وباطننا ملوّث بالمهالك والموبقات. فمن نحن حتى نرجو القدرة على الثناء عليك، فيما يعترف الوليّ من أوليائك قائلاً: "أَفَبِلِساني الكالّ هذا أَشْكُرُكَ!" مقراً بعجزه وَقصوره؟ فكيف بنا نحن أهل المعصية المحجوبين عن ساحة كبريائك؟ ما عسانا نقول سوى أن نحرّك ألسنتنا قائلين: إن رجاءنا موكول إلى رحمتك، وإن أملنا وثقتنا بفضلك ومغفرتك وجودك وكرمك.

28- إذا نظّف العبد أرض قلبه من أشواك الأخلاق الفاسدة وأحجار الموبقات وسباختها، وبذر فيها بذور الأعمال، وسقاها بماء العلم الصافي النافع والإيمان الخالص، وخلّصها من المفسدات والموانع مثل العجب والرياء وأمثالهما التي تعدّ بمثابة الأعشاب الضارّة العائقة لنموّ الزرع، ثم انتظر ربّه المتعالي ورجاه أن يثبّته على الحق، ويجعل عاقبة أمره إلى خير، كان هذا الرجاء مستحسناً، كما يقول الحقّ المتعالي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ.

29- إنّ الإنسان عندما يدرك منتهى قصوره في النهوض بالعبودية، ويرى صعوبة وضيق طريق الآخرة، يتولّد فيه الخوف بأعلى درجة. وعندما يجد ذنوبه ويفكّر في أناس كانت عاقبة أمرهم الموت من دون إيمان وعمل صالح، رغم حسن أحوالهم في بدء الأمر ولكنهم انتهوا إلى سوء العاقبة، يشتدّ فيه الخوف.

30- إنّ ما يصل إلينا في ذلك العالم هو صور أعمالنا. فلذلك مزّق سلاسل الشهوة والأهواء المتعرّجة بعضها على بعض، وحطّم أصفاد القلب، واخْرج من قيود الأسر، وكن حراً في هذا العالم، حتى تكون حراً في ذلك العالم. ولولا ذلك لوجدت الصورة الملكوتية لهذا الأسر حاضرة في ذلك العالم، واعلم بأنها مؤلمة جداً.

إن أولياء الله رغم تحرّرهم التام من الأسر والرق، وبلوغهم الحرية المطلقة فإن قلوبهم كانت مضطربة وكانوا يجزعون وينحبون بدرجة تثير دهشة العقول.

31- إنّ الإنسان العاقل الرؤوف بنفسه لا بد له من السعي واللجوء إلى كل سبيل لإنقاذ نفسه من الأسر، والنهوض أمام النفس الأمارة والشيطان الباطني، ما دامت الفرصة سانحة، وقواه الجسدية سالمة وما دام أنه على قيد الحياة وفي صحة موفورة وفتوّة موجودة، وأن قواه لم تتسخّر كلياً، ثم يراقب حياته فترة من الوقت، ويتأمّل في أحوال نفسه وأحوال الماضين، ويتمعّن في سوء عاقبة بعضهم، ويُفهم نفسه أن هذه الأيام القليلة تبلى، ويوقظ قلبه ويفهمه الحقيقة التالية المنقولة عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم حيث خاطبنا قائلاً: "الدنيا مزرعة الآخرة".

32- إنّ العبد الذي لا يتحمّل مصيبة واحدة نازلة عليه من الحق المتعالي والحبيب المطلق، والذي إذ واجه بليّة واحدة رفع صوته بالشكوى من وليّ نعمه أمام المخلوق، رغم نزول البركات عليه وتلقّيه آلاف آلاف النعم، مثل هذا العبد أي إيمان له؟ وأي تسليم له أمام المقام القدسي للحق؟

33- هل تظن أن التوبة مجرّد كلام يقال؟ إن القيام بالتوبة لعمل شاق. إن الرجوع إلى الله والعزم على عدم العودة إلى الذنب يحتاج إلى رياضة علمية وعملية، إذ نادراً ما يحدث للإنسان أن يفكر وحده بالتوبة أو يتوفق إليها أو يتوفق إلى توفير شرائط صحة التوبة وقبولها أو إلى توفير شرائط كمالها. إذ من الممكن أن يدركه الموت قبل التفكير في التوبة أو إنجازها وينقله من هذه النشأة مع المعاصي التي تنوء بالإنسان ومع ظلمات الذنوب اللامتناهية. وفي ذلك الوقت يعلم الله وحده المصائب والمحن التي سوف يواجهها!

34- إذا عاش الإنسان مع الحق سبحانه وتعالى في جميع الأحوال وكافة المستجدات، وشاهد نفسه أمام الذات المقدّس عزّ شأنه، لأحجم عن الأمور التي تسخط الله، وردع نفسه عن الطغيان. إن المشاكل والمصائب المنبثقة من النفس الأمّارة والشيطان الرجيم قد نشأت عن الغفلة عن ذكر الحق وعذابه وعقابه.

35- إن الله سبحانه وتعالى غيور، ويكون هتك ستر المؤمنين وكشف عوراتهم هتكاً لناموس الله وكرامته. ولو أن إنساناً تجاوز في الاستهتار الحدود، وهتك حرمات الله، كشف الله الغيور عيوبه التي سترها عن الآخرين بلطفه وستّاريته، وهتك أسراره وفضح أمره في هذا العالم أمام الناس وفي عالم الآخرة أمام الملائكة والأنبياء والأولياء عليهم السلام.

36- يجب أنْ يكون الإنسان مثل الطبيب الرحيم، والمرافق الرؤوف يراقب نفسه، ولا يسمح لفلتان زمامها مِنْ يده، لأنها في لحظة من الغفلة تنفلت من يده وتقوده إلى الذل والهلاك.

37- اعلم أنّ شكر نِعَم الحق المتعالي سبحانه الظاهرية والباطنية، من المسؤوليات اللازمة للعبودية، حيث يجب على كل شخص حسب قدرته المتيسّرة أن يشكر ربه، رغم أن أحداً من المخلوقين لا يستطيع أن يؤدي حق شكره تعالى. ويكون منتهى الشكر في معرفة الإنسان عجزه عن النهوض بحق شكره سبحانه. كما أن غاية العبودية تكون في معرفة الإنسان عجزه عن القيام بحق العبودية له تعالى.

38- لو أن شخصاً قام بالوظائف العبودية والمناسك الظاهرية- حسب ما هو لازم ومطابق لتوجيهات الأنبياء- لانعكست من جرّاء أدائه لمسؤولياته العبودية آثار على قلبه وروحه، حيث يحسن خلقه، وتتكامل عقائده.

39- أيها العزيز، أنت محتاج في جميع العوالم: عالم البرزخ وعالم القبر وعالم القيامة ودرجاتها إلى المعارف الإلهية الحقّة، والعلوم الحقيقية والخلق الحسن والأعمال الصالحة. فاجتهد أينما كنت من هذه الدرجات والمراتب، وأكثر من إخلاصك وأزل عن قلبك أوهام النفس ووساوس الشيطان حتى تظهر لك النتائج، وتجد سبيلاً إلى الحقيقة، وينفتح لك طريق الهداية، ويكون الله سبحانه في عونك.

40- اعلم أنّ التفرّغ للعبادة يحصل من تكريس الوقت والقلب لها. وهذا من الأمور المهمة في باب العبادات. فإن حضور القلب من دون تفريغه وتكريس الوقت له غير ميسور، والعبادة، من دون حضور القلب، غير مجدية.

41- لا بد للإنسان المتعبد، أن يوظف وقتاً للعبادة. وأن يحافظ على أوقات الصلاة التي هي أهم العبادات وأن يؤديها في وقت الفضيلة، ولا يختار لنفسه في تلك الأوقات عملاً آخر.

42- عزيزي: اجعل مناجاتك مع الحق سبحانه بمثابة التحدّث مع إنسان بسيط من هؤلاء الناس؛ فكيف إنك إذا تكلمت مع صديق، بل مع شخص غريب، انصرف قلبك عن غيره، وتوجّهت بكل وجودك نحوه، أثناء التكلم معه، ولكنك إذا تكلمت وناجيت وليّ النِّعم، وربّ العالمين، غفلت عنه وانصرفت عنه إلى غيره؟

43- إن تفريغ القلب من غير الحق يعدّ من الأمور المهمة، التي يجب على الإنسان أن يحققها مهما كلف الثمن، والسبيل إلى تحصيله ميسور وسهل، فمع قدر قليل من الانتباه والمراقبة نستطيع أن ننجزه ونحققه.

44- كلّما اتجه القلب نحو تدبير الأمور وتعمير الدنيا أكثر، وكان تعلقه أشد، كان غبار الذل والمسكنة عليه أوفر، وظلام الهوان والحاجة أوسع، وعلى العكس كلما رَكَل بقدميه التعلّق بالدنيا، ووجّه وجه قلبه إلى الغني المطلق، وآمن بالفقر الذاتي للموجودات، وعرف بأن أحداً من الكائنات لا يملك لنفسه شيئاً، وأن جميع الأقوياء والأعزاء والسلاطين قد سمعوا بقلوبهم أمام ساحة الحق المقدسة من الهاتف الملكوتي، واللسان الغيبي، الآية الكريمة ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ كلّما استغنى الإنسان عن العالمين أكثر، وبلغ مستوى استغنائه درجة لا يرى لمُلك سليمان قيمة، ولا يأبه بخزائن الأرض عندما توضع بين يديه مفاتيحها.

45- لو أنّ القلب غفل عن الاشتغال بالحق وأهمل التفرغ في التوجّه نحوه لغدت هذه الغفلة أساس كل الشقاء، وينبوع جميع النقائص ومبعث كافة الأمراض النفسية. وبسبب هذه الغفلة يحول بين القلب والحق المتعالي ظلام داكن وكدورة شديدة وحجب غليظة تمنع من تغلغل نور الهداية فيه، وتحرمه من التوفيقات الإلهية.

46- لا تقارن نفسك مع الأولياء، ولا تظن بأن قلبك يضاهي قلوب الأنبياء وأهل المعارف. إن قلوبنا ذات غبار التعلق بالدنيا وملذّاتها، وإن انغماسنا في الشهوات يمنع قلوبنا من أن تكون مرآة لتجلّي الحق سبحانه، ومحلاً لظهور المحبوب.

47- إنّ الإنسان ما دام يشتغل بتعمير هذا العالم، ويكون قلبه متّجهاً نحو هذه النشأة، وما دام سكر الطبيعة- عالم المادة- قد أعماه وأفقد وعيه، والشهوة والغضب المخدرتان قد خدّرتاه وسلبتا لُبّه، يكون محجوباً نهائياً عن صور أعماله وأخلاقه، وتكون آثار أعماله وأخلاقه مهجورة في ملكوت قلبه. ولكن عندما تغشاه سكرات الموت وتواجهه صعابها وضغوطها، ويبتعد قليلاً عن هذه النشأة، فإذا كان من أهل الإيمان واليقين، وكان قلبه متعلقاً بهذه العوالم المادية، اتّجه قلبه في نهاية المطاف من حياته إلى ذلك العالم، والسائقون المعنويون، وملائكة الله الموكّلون عليه، يسوقونه جميعاً إلى ذلك العالم. وبعد هذا السوق، وذاك الانصراف ينكشف له نموذج من عالم البرزخ، وتنفتح عليه من عالم الغيب كُوّة ويتكشّف له حاله ومقامه قليلاً، كما نقل عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: "حَرَامٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّها مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ هِيَ أَمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ".

48 – إنّ من الأمور الهامّة السعي في سبيل تطوير حالة القلب، وجعلها إلهية، وتوجيهها نحو الحق المتعالي وأوليائه ودار كرامته. ويكون هذا قطعاً بواسطة التفكّر في آلاء الذات المقدّس، ونعمائه والمحافظة على طاعته وعبادته. ولكن يجب أن لا يعتمد الإنسان على نفسه ومساعيه، بل يستعين بالله على ذلك في جميع الأحوال، وخاصة في حالات الخلوة مع الله بكل تذلّل وتضرّع وبكاء، ويطلب منه أن يلقي حبّه في قلبه ويضيئه بنور محبته ومعرفته، ويخرج حب الدنيا وما عدا الله من قلبه.

49- إنّ الورع عن المحرّمات الإلهية يكون أساس جميع الكمالات المعنوية، والمقامات الأخروية. ولا يحصل لأحد مقامٌ إلا عند الورع عن محرّمات الله. وإن القلب الذي لا يتحلّى بالورع ليصدأ، ويبلغ به الأمر إلى مستوىً لا يُرجى له النجاة.

50- إنّ النفوس المدنّسة بالمعصية، لا تقبل صورة ولا رسماً إلاّ بعد تنظيفها من الكدر وتطهيرها من القذارة، حتى يتمكّن الرسّام من الرسم فيها. فالعبادات التي هي الصور الكمالية للنفس، لا تنفع من دون صقلها من غبار المعصية، وإنما تكون صورة من دون لبّ وظاهراً من دون روح.

51- إنّ الابتعاد عن المحرمات الإلهية، لا يستدعي جهداً جبَّاراً، بل الإنسان مع قليل من الترويض النفسي والعمل، يستطيع أن يترك جميع المحرمات، شريطة إرادته أن يكون فرداً من أهل السعادة والنجاة، ومن أهل الولاية للأئمة الأطهار وكرامة الحق المتعالي.

52- إنّ ولاية أهل بيت العصمة والطهارة، ومودّتهم، ومعرفة مرتبتهم المقدّسة، أمانة من الحق سبحانه. كما ورد في الأحاديث الكثيرة الشريفة في تفسير الأمانة في الآية ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بولاية أمير المؤمنين عليه السلام.

53- يجب على الإنسان أنْ يكون مستسلماً لأقوال الأنبياء والأولياء عليهم السلام، ولا يوجد شيء في سبيل تكامل الإنسان، أفضل من التسليم والطاعة أمام أولياء الحق، وخاصة في الأمور التي لا مجال للعقل في التطرّق إليها ولا يوجد سبيل لإدراكها واستيعابها إلا بواسطة الوحي والرسالة.

54- من المؤسف جداً آلاف المرات أنّي قدمت إلى هذا العالم وأنا مستغرق في بحار هوى النفس، وملتصق بالأرض المادية، ومقيّد بالشهوات وأسير للبطن والفرج، وغافل عن عالم مُلك الوجود، وسكران بسكر الأنانية والذاتية. من المؤسف أني سأفارق هذا العالم، ولم أدرك شيئاً من محبّة الأولياء، ولم أفهم شيئاً أبداً من جذباتهم وجذواتهم ومنازلهم ومغازلاتهم، بل كان حضوري في هذا العالم حضوراً حيوانياً، وحركاتي حركات حيوانيةً وشيطانية. وعليه فسيكون موتي أيضاً حيوانياً وشيطانياً. اللهمّ إليك المشتكى وعليك المعوّل.

إلهي! أنقذنا بنور هدايتك، وأيقظنا من هذا النوم العميق، وخذ بأيدينا إلى عالم الغيب والنور ودار البهجة والسرور، ومحفل الأنس، والخلوة الخاصة بك.

55- إننا قلّما يعترينا النسيان تجاه أمر دنيوي لا سيّما في الأمور المهمّة منها، وذلك لاستعظام النفس لها، وتعلّقها بها، وتذكّرها الدائم. ومن الطبيعي أن لا يُنسى مثل هذا الأمر. فإذا قال لك شخص صادق في وعوده، إنني لدى الظهر من يوم كذا، أدفع لك مبلغاً يعدّ كبيراً ومهمّاً عندك، فإنك لا تنسى ذلك اليوم والموعد، بل تحصي الساعات والدقائق حتى يقترب الوقت لكي تستقبل الموعد بكل توجه وحضور قلب. كل ذلك نتيجة أن حبّ النفس لذلك الشيء وإكبارها له، قد شغلك به، فلا تتهاون فيه أبداً. وهكذا يكون الاهتمام من جانب الإنسان في كل الأمور الدنيوية حسب وضعه وشؤونه. وأما إذا كان الشيء تافهاً لدى الإنسان، لتوجهت النفس له لحظة واحدة، ثم غفلت عنه.

إذاً، هل تعرف المسوّغ لفتورنا هذا في الأمور الدينية؟ إنه لأجل عدم إيماننا بالغيب، ولأن مرتكزات عقائدنا واهية، وإيماننا بالوعود الإلهية والأنبياء مهتز ومتزلزل، وتكون النتيجة أن جميع الأمور الدينية والشرائع الإلهية عندنا تافهة وواهنة.

56- إنّ الإنسان إذا آمن بالمقامات الروحانية والمعارج العرفانية فمن الممكن أن هذا الإيمان يُلهب جذوة العشق الفطري الهامد تحت رماد الرغبات النفسية، ويشعل نور الشوق في القلب، ويندفع شيئاً فشيئاً نحو الطلب والنهوض بالجهاد، فيصبح مشمولاً بهداية الحق، ونجدة الذات المقدّس المتعالي له، والحمد لله.

57- فليكن معلوماً أنّه لا بدّ لأي إنسان أن يكون هو معالج قلبه وطبيب روحه "فإنّ المربية لن تكون أرحم من الأم". ولا يترك أيّام الفرصة والمهلة والتوسعة تفوت منه، فيستيقظ من الغفلة في وقت الاضطرار والضَّنك والضّيق حيث لا ينفعه أي دواء.
يا أيها العزيز، ما دامت هذه النّعمة الإلهيّة العظيمة والعمر الذي أعطاكه الله تعالى موجودين فابذل همّتك لأيّام الابتلاء والضّر، ونجّ نفسك من المشقّات والشقاوات التي تعترضك، فأنت اليوم في دار التغيُّر والتبدُّل ودار الزّراعة، وتستطيع أن تحصل على النتيجة المطلوبة، فإذا لا سمح الله كان الحزب الشّيطاني غالباً فيك، وعلى هذا الحال تنقضي أيَّامك وتنقطع يدك من هذا العالم فلا يُقبل الجبران بعده ولا تفيده الحسرة والنَّدامة ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ.

58- إنّ الاشتغال بتهذيب النفس وتصفية الأخلاق، وهو في الحقيقة خروج من سلطة إبليس وحكومة الشيطان، من أعظم المهمات وأوجب الواجبات العقلية.

59- أيُّها الإنسان المسكين كم ستكون حسرتك يوم يرفع حجاب الطبيعة عن بصرك وتعاين أنَّ كل ما مشيت له في العالم، وسعيت فيه كان في طريق مسكنتك وشقاوتك وقد انسدّ طريق العلاج والجبران وانقطعت يدك عن كل شيء، وليس لك مجال للفرار من السلطة الإلهيّة القاهرة ﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا (الرحمن: 33) ولا سبيل لجبران النقائض الماضية والاعتذار عن المعاصي الإلهية ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ.

60- "يا رب" هل يمكن أن توقظ هذا القلب المحجوب والمنكوس، وتجرّ هذا الغافل المستغرق في ظلمات الطبيعة إلى عالم النُّور وتكسر بيد قدرتك الأصنام الموجودة في القلب، وتزيل غبار الجسم عن البصر؟ "إلهي" قد خنَّا أمانتك وجعلنا فطرتك في تصرف الشَّيطان اللَّعين وحجبنا عن الفطرة الإلهيَّة، وأخاف أن أخرج كليّاً بهذا السَّير الطَّبيعي والسُّلوك الشَّيطاني عن الفطرة الإلهيَّة وأجعل الدّار كلَّها في تصرُّف الشَّيطان وجنوده، والجهل وجنوده.

"يا رب" خذ أنت بيدنا حيث لا طاقة لنا على المقاومة، إلاّ أن يأخذ بيدنا لطفك، إنَّك ذو الفضل العظيم.

61- إنّ قلوبنا لم تتعلق بوعوده لننزعها من هذه الدُّنيا الدنيّة والنشأة الفانية ونعلّقها بالنشأة الباقية، ولم يؤثر وعيده فيها لنحترز من المعاصي الإلهيَّة ومخالفة وليّ النعمة، وهذا ليس إلاَّ لأن حقيقة القرآن وحقيَّته لم تصل إلى قلوبنا، ولم تؤمن به.

62- أيُّها الإنسان القاسي القلب، فكّر وانظر ما هو المرض الذي جعل قلبك أقسى من الحجر الصَّلب، ولا يقبل قرآن الله الذي نزل لنجاتك من العذاب والظلمات. نعم إنّ حبائل الشيطان التي تجلّت في نظرك في صورة الدُّنيا بأصفرها وأحمرها قد سدّت طريق سمعك وبصرك، وجعلت قلبك منكوساً. والآن فكّر في الآية الشريفة التي تقول: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (الأعراف: 179) فانظر هل علامات الذين خلقوا لجهنم موجودة فيك؟ إن قلباً حرم من نور التدبُّر والتفقُّه، وإرجاع ظاهر الدنيا إلى باطنها، لا فرق بينه وبين قطعة لحم تشكّل القلب الحيواني.

63- بالذّكر الحقيقي تخترق الحجب بين العبد والحق، وترتفع موانع الحضور، وتزول قسوة القلب وغفلته، وتنفتح للسالك أبواب الملكوت الأعلى، وأبواب لطف الحق تعالى ورحمته. ولكن العمدة أن يكون القلب في ذلك الذكر حياً ولا يكون ميتاً ولا مستأنساً مع الأموات، وكل شيء سوى الله وسوى وجهه المقدّس هو من الأموات، ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ.

64- اعلم أنّ الإنسان بسبب حبّ النّفس والإعجاب بها يغفل عن نفسه، وربما يرى النّقائض والعيوب الموجودة فيها كمالاً وحُسناً. والاشتباه بين صفات النفس كثير جدّاً، وقَلّ من يقدر على التمييز بينها تمييزاً صحيحاً. وهذا أحد معاني نسيان النفس، أو أحد مراتبها، الذي يحصل من نسيان الحق تعالى. ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ.

65- فتنبّه أيُّها العزيز، واستيقظ من النّوم الثَّقيل، واحذر الغرور الشَّيطاني، فإن هذا الغرور يهلك الإنسان هلاكاً أبديّاً، ويؤخّره عن قافلة سالكي الطريق ويحرمه من كسب المعارف الإلهيَّة التي هي قرَّة عين أهل الله. واعلم أنَّهُ لا تؤثر مع الغرور المواعظ الإلهيَّة ودعوات الأنبياء، ومواعظ الأولياء، لأنَّ الغرور يقلع جذورها كلها، وهذا من مصائد إبليس الكبيرة وحبال النفس الدّقيقة.

66- على الشَّباب حتماً ولازماً أنْ يكونوا في صدد التَّصفية والتَّزكية ما دامت فرصة الشباب حاضرة، والصَّفاء الباطني، والفطرة الأصليَّة باقيين على حالهما. فيقلعون جذور الأخلاق الفاسدة، والصفات المظلمة من قلوبهم، لأنه بوجود خلق واحد سيّئ تكون سعادة الإنسان في خطر عظيم.

67- نحن المساكين كدود القز ننسج حول أنفسنا خيوط الآمال والأماني والحرص، والطَّمع، ومحبّة الدُّنيا، وزخارفها، ونهلك أنفسنا في هذا النسيج.

68- اليوم لا بدّ لك من أنْ تفكّر في النّعم، والرَّحمات الإلهيّة، وتقطع يد طلبك عن المخلوق الضعيف، وتنظر إلى ألطاف الحق تعالى العامة والخاصّة، وتقطع قدم السعي عن غير بابه تعالى، ولا تعتمد على غير ركن الرحمة الإلهية الركين. فما لك غفلت عن وليّ نعمتك، واعتمدت على نفسك وعملك، وعلى المخلوقين وعملهم، وارتكبت هذا الشرك الخفيّ أو الجليّ؟

69- يمكن للعالم أنْ يؤمن سعادته الأبديّة بالروابط الحسنة. ولكن مع الأسف هذه القوى المخترعة هي تحت سيطرة الجهل والشيطنة وحب النفس وكلها تستعمل ضد سعادة النوع الإنساني وخلاف نظام المدينة الفاضلة.

70- لو اجتمعت النَّارُ كُلّها في عالم الدُّنيا بعضها فوق بعض فلا تقدر على إحراق فؤاد الإنسان. وما يحرق الباطن والظاهر والرُّوح والقلب، والفؤاد والبدن هو النَّار الملكوتيَّة الإلهيّة، وتبرز من باطن القلب، وتنفذ إلى الظَّاهر من مجرى الحواس.

71- إنّ العلاج القطعي لأكثر المفاسد يكون بعلاج حب الدُّنيا، وحب النَّفس، لأنّه بعلاجها تكون النفس ساكنة ومطمئنة، ويسكن القلب، ويحلّ فيه الاطمئنان، ويتساهل بالأمور الدنيويَّة، ولا يهمُّه أي مأكل أو مشرب. فإذا زاحمه أحد في أمر من أمور الدنيا، يتلقّاه ببرودة الدم ويواجهه بالتساهل.

72- أيها الحبيب، استيقظ قليلاً من النوم الثقيل وخذ طريق عشاق الجناب، واغسل اليد والوجه من هذا العالم، عالم الظلمة والكدورة والشيطنة، وضع القدم في حيّ المحبين، لا بل تحرك إلى حيّ الحبيب.

أيها العزيز، ستنتهي هذه الأيام القليلة للمهلة الإلهية، وسيأخذوننا من هذه الدنيا طوعاً أو كرهاً، فإن ذهبت باختيار، فَرَوح وريحان وكرامات الله، وإن ذهبت كرهاً، فنزع وصعق وضغط وظلمة وكدورة. إن مثلنا في هذه الدنيا كمثل شجر تأصل في الأرض، فكلما كان حديث الغرس كان نزعه أسهل.

73- أيها العزيز، كلٌ منّا، لو أخبره طفل ابن عشر سنين أن حريقاً وقع في بيته، أو أن ابنه وقع في الماء، وهو الآن يغرق، فهل نترك الاشتغال بالعمل المهم، ونرفع اليد عنه، ونركض وراء تلك الأخبار الموحشة، أم أننا لا نهتمّ لها ونجلس في اطمئنان نفس كامل؟ فالآن أي أمر حدث؟! إن جميع الآيات والأخبار والبراهين والعيان لم تؤثر فينا تأثير خبر طفلٍ ابن عشر سنين. لأنها لو أثرت لسلبت الراحة منا.

74- إنّ الإنسان إذا انحرف عن الطريق المستقيم فهو يفوق البهائم والسباع والشياطين في كل باب من أبواب البهيمية والسُبعية والشيطانية، لأن لقواه سمة الإطلاق، وغيره من الموجودات محدود ومقيّد.

75- لا يمكن العروج إلى الكمالات الروحانية، والوصول إلى لقاء جمال الجميل مع التعلّق بغير الحق تعالى، وتبعية شهوات البطن والفرج.

76- ما دام القلب متوجهاً إلى عالم الطبيعة الظلماني وبئر الدنيا الضيق المظلم، وفي غلاف مُلك هذا العالم وغِلّه فهو ضيق وظلماني وليس قابلاً لنور الهداية وتجلّي الجمال والجلال.

77- بالزهد في الدنيا والإعراض عنها يستقر في القلب نور الحكمة، وهو الهادي لطريق السعادة، والوصول إلى مقام كمال الإنسانية، ويجري من القلب إلى اللسان كما ورد في باب الإخلاص أيضاً "ما أخلص عبد الله عزّ وجل أربعين صباحاً إلاّ جرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه".

78- ما دامت محبّة الدنيا والرغبة فيها متمكنتين في القلب فجميع عيوبها تتراءى حسناً وقبائحها جميلاً وجمالاً.

79- إذا حصل الزهد الحقيقي للإنسان يخرج من الدنيا إلى دار السلامة سالماً بكل معنى السلامة، وبلا عيب. لأن جميع العيوب تحصل من التعلّقات، فإذا لم تكن التعلّقات إلى غير عزّ القدس، تحصل السلامة المطلقة.

80- إنّ الحق تعالى شأنه يعامل خلقه في جميع الأمور بالرفق والمداراة، حتى في تشريع الشرائع، لأن الهداية إلى طريق السعادة والكمال عين الرفق.

81- إذا رفقت النفس وجدت أنساً ومحبة للعبادات والطاعات. وبواسطة هذه المحبة والعلاقة تجد المحبة للحق تعالى والأنس به. وهذا فتح لباب المعارف الإلهية الذي هو منبع الإيمان.

82- الإنسان يعجب بنفسه ويحبها. وهذه المحبة المفرطة للنفس هي سبب احتجابه عن نقصائصه وعيوبه فلا يرى قبائحه، بل ربما تتجلى مساوئه في نظرهِ محاسن، ويرى الفضائل والحسنات الموجودة فيه مضاعفة.

83- التواضع مبدؤه العلم بالله والعلم بالنفس، وغايته الله أو كرامة الله ونتيجته وثمرته الكمال النفساني. والتملّق مبدؤه الشرك والجهل وغايته النفس وثمرته الخفّة والذلّة والنقص والعار. والتكبّر مبدؤه الإعجاب بالنفس وحبها والجهل، والغفلة عن الحق ومظاهره، وغايته النفس والغرور ونتيجته التمرّد والطغيان. وعزّة النفس مبدؤها التوكل على الله والاعتماد على الحق تعالى وغايتها الله وثمرتها ترك غيره.

84- ذكر الحق تعالى يصرف القلب عن المنازل والمناظر الطبيعية ويسقط جميع العالم ومن فيه من نظره، ولا يتعلق قلبه بأحد غير الحق تعالى، ولا يفرح قلبه بشيء.

85- إنّ معرفة الله تأتي من خلال حب الله. وهذا الحب إذا كمل يجعل الإنسان منقطعاً عن نفسه. فإذا انقطع عن نفسه ينقطع عن جميع العوالم، ولا يطمع في نفسه وفي الآخرين، ويكون طاهراً من رجس الشيطان ورجس الطبيعة، ويطل نور الأزل في باطن قلبه، ويسري من الباطن إلى الظاهر، ويكون قوله وفعله نورانياً، وجميع قواه وأعضاؤه إلهية ونورانية.

86- إذا وجدت التواضع فيك والتذلّل، فاشكر الله تعالى واسْعَ في زيادتهما ولا تغفل عن الحيل النفسانية، فإن النفس والشيطان بالمرصاد، وينتظران الفرصة ليصرفا الإنسان عن طريق الحق. ولا تغتر أبداً بكمالات النفس، فإن الغرور من الشيطان. فكن سيّئ الظن بنفسك دائماً. وكن حذراً وخائفاً من سوء العاقبة.

87- أيّها العزيز، قم من نومك الثقيل، وعالج هذه الأمراض المختلفة بالقرآن والحديث، وتمسك بحبل الله المتين وذيل أولياء الله، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ترك هاتين النعمتين العظيمتين لنا، لننجو من ظلمات الطبيعة بواسطة التمسك بهما ونتخلص من هذه الأغلال، ونتصف بسيرة الأنبياء والأولياء.

88- إن صلاةً هي معراج المؤمن ومقربة المتقين لا بد من أن تقطع علائق الدنيا عن القلب وتفك عنه أغلال الطبيعة وتجعله إلهياً وربانياً.

89- إنّ السجود على التراب خمسين سنة لا بد من أن يوجد في الإنسان روح التواضع والتذلل لو لم يكن تصرف الشيطان في الوسط.

90- إذا لم يعمل العالم بوظيفة العلم، وهي الأخلاق الحسنة، فسيسقط الدين والعلم من أعين الناس، وتتزلزل عقيدتهم وتنصرف قلوبهم حتى عن العارفين بالله تعالى، وهذه من أوجع الضربات على جسد الدين والحقيقة الصادرة عن العلماء غير العارفين بوظيفتهم، وقلّما يكون شيء أكثر تأثيراً منها.

إنّ خُلُقاً سيئاً من عالم، أو عملاً مخالفاً من طالب، يؤثر في فساد أخلاق الناس وأعمالهم تأثيراً لا يماثله فيه شيء آخر. فلا بد لهم من أن يواظبوا على مراقبة أنفسهم حيث إنهم يأخذون على عاتقهم إسعاد الناس، بالإضافة إلى إسعاد أنفسهم. ففسادهم وقبحهم يختلفان عن فساد الآخرين وقبحهم، والحجّة عليهم أتمّ.

91- إذا أعمل الإنسان الوقار والسكينة والطمأنينة في الأعمال الظاهرية، ولو بالتكلف والتصنّع، فتسحلّ بالتدريج في باطن الروح هذه الملكة الشريفة، أي الطمأنينة والتثبّت، التي هي مبدأ الكثير من الخيرات والكمالات.

92- إنّ قلباً شعّ فيه نور التوحيد ومعرفة كمال المطلق يكون ذا طمأنينة وثبات وتأنٍ وقرار. وإن قلباً أصبح نورانياً بمعرفة الحق جلّ وعلا يرى مجاري الأمور بقدرته تعالى، ويرى نفسه وجدّه وحركته وسكونه وجميع الموجودات منه، ولا يرى زمام أمر الموجودات بيدها.

إن قلباً محتجباً عن المعرفة، وداخلاً في حجب الإعجاب بالنفس وحجب الشهوات واللذات الحيوانية، يخاف من فوت هذه اللذات، وشخص كهذا يفقد طمأنينة القلب ويقدم على الأمور بعجلة وتسرّع.

93- إنّ نظر أولياء الله إلى الدعاء انقطاع إلى الحق تعالى، فلا يجعلونه ولا يجعلون مناجاته والخلوة معه وسيلة لعبادة النفس وحبها، بل كل ما يطلبونه وسيلة لفتح باب مناجاة الحبيب.

94- نحن أسرى النفس والشهوة ونريد الله لثمرات الدنيا، ونفدي اللذات النفسانية بالحبيب المطلق، وهذا من أعظم

14-06-2013 عدد القراءات 38670



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا