28 حزيران 2017 الموافق لـ شوال 1438
En FR

الأخلاق والآداب الإسلامية :: السير والسلوك

إفراط في المعنويـّات



انتهج البعض منهجاً خاصاً في تزكية النفس والسير والسلوك يقتصر على الاختلاء مع الله تعالى والابتعاد عن المجتمع وقضاياه، لذا فإنّ هؤلاء يرون في العزلة السبيل لتكامل الإنسان ووصوله إلى هدفه.

وقد تأثّر هؤلاء في منهجهم بجملة من الأمور نشير منها إلى أمرين:
الأوّل: إيلاء الإسلام وسيرة النبيّ وأهل بيته الجانب المعنويّ الأهميّة الكبرى.
الثاني: نظرة هؤلاء إلى الدنيا نظرة سلبيّة تقترب في سلبيّتْها من الاطلاق، مستشهدين، لهذه النظرة، بنصوص دينيّة وردت في القرآن والأحاديث الشريفة.

الدنيا في القرآن والأحاديث الشريفة (نظرة السّلْب)

ففي القرآن الكريم عدّة آيات كريمة تتحدّث عن الدنيا في إطار يتّجه نحو جانب سلبيّ وضَعَه أولئك نُصْبَ أعينهم كقوله تعالى:

1 ـ ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا.
2 ـ ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ.
3 ـ ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ.

وفي الأحاديث الشريفة الكثير ممّا يضع الدنيا في تلك الخانة السلبيّة نعرض منها:
ـ أنّ رسول الله وقف على مزبلة فقال:"هَلُمّوا إلى الدنيا"!
وأخذ خرقاً قد بليت على تلك المزبلة وعظاماً قد نَخِرَتْ.
فقال:"هذه الدنيا".

عن أمير المؤمنين:"الدنيا مصرعُ العقول".
"الدنيا معدِنُ الشّرّ ومحَلُّ الغرور".
"الدنيا مزرعة الشرّ".
"الدنيا سوقُ الخُسران".

ـ عن الإمام الكاظم:"مَثَلُ الدنيا مَثَلُ الحيَّة، مسُّها ليِّن، وفي جوفها السمّ القاتل، يحذَرُها الرجالُ ذوو العقول، ويهوي إليها الصبيان بأيديهم".
هذا إضافةً إلى الروايات التي تحدَّثت عن خطورة حبّ الدنيا كالحديث المشهور عن الإمام الصّادق عليه السلام :"رأسُ كلِّ خطيئة حبُّ الدنيا".
وكالحديث القدسي:"لو صلَّى العبد صلاة أهل السماء والأرض، وصام صوم أهل السماء والأرض، ويطوي من الطعام مثل الملائكة، ولبس لباس العاري، ثمّ أرى في قلبه من حبِّ الدنيا أو سُمْعتها أو رئاستها أو حُلِيّها أو زينتها، لا يجاورني في داري ولأنزعنَّ من قلبه محبّتي".

ضيق النظرة في الموقف من الدنيا
وقد تأثَّر أولئك بتلك الآيات والروايات مُسَوَّغين بها عزوفهم عن العمل الاجتماعيّ، واقتصارَ حياتهم على العزلة الخاصّة مع الله تعالى. والملاحَظُ، في نظرتهم هذه التي أثَّرت في مسلكهم، أنّها اقتصرت على الأخذ بجانب من النصوص الدينيّة الواردة، تاركة جانباً آخر لا بدّ من ملاحظته لفهم موقف الإسلام من الدنيا.

ففهم موقف الإسلام من الدنيا أو غيرها من الأمور، لا يتمّ من خلال قراءة تجزيئيّة لبعض النصوص الواردة حول ذلك الأمر، بل لا بدّ من قراءة موضوعيّة تُطِلُّ على مجموع النصوص الواردة والتي ينبثق منها قواعدُ وأساسيَّاتٌ في فهم كثير من المطالب المبتغاة؛ فالقارئ للآيات والروايات السابقة، حينما يقتصر في قراءته عليها، فإنّ الموقف من الدنيا لن يخرج من دائرة السلب، ولكن حينما ننظر إلى الآيات والروايات الشريفة الأخرى فإنّ الموقف سيختلف. ولتوضيح الأمر، سأعرض جانباً من آيات القرآن والروايات حول الدنيا، وردت بنمط آخر لا بدّ من ضمّها إلى النمط الأوّل لتحديد الموقف النهائيّ.

الدنيا في القرآن والأحاديث (نظرة الإيجاب)
* قال تعالى:
﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا
﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ
﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِين

علق عليها الإمام الباقر  عليه السلام  فقال:"الدنيا".

* وعن الرسول الأكرم:"لا تسبّوا الدنيا فنِعْمَتْ مطيّةُ المؤمن، فعليها يَبْلُغُ الخير، وبها ينجو من الشرّ، إنّه إذا قال العبد: لعن الله الدنيا، قالت الدنيا: لعنَ الله أعصانا للرّبّ".
وورد أنّ أحدهم ذمَّ الدنيا فقال له أمير المؤمنين:"أيُّها الذَّام ُّللدنيا المغترُّ بغرورها المنخدع بأباطيلها، أتغترُّ بالدنيا ثمّ تذمُّها! أنت المتجرِّم عليها، أم هي المتجرِّمةُ عليك؟ متى استهوتك؟ أم متى غرَّتك؟!
إنّ الدنيا دارُ صدقٍ لمن صدَّقها، ودارُ عافيةٍ لمن فهِمَ عنها، ودارُ غنىً لمن تزوَّد منها، ودارُ موعظةٍ لمن اتّعظ بها، مسجدُ أحبّاءِ الله، ومصلَّى ملائكة الله، ومهبطُ وحي الله، ومتجرُ أولياء الله، اكتسبوا فيها الرحمة، وربحوا فيها الجنّة
".
وعن الإمام الكاظم  عليه السلام :"اجعلوا لأنفسكم حظّاً من الدنيا بإعطائها ما تشتهي من الحلال، وما لا يثلُمُ المروَّة وما لا سَرَفَ فيه، واستعينوا بذلك على أمور الدين فإنّه رُوِي: ليس منّا من ترك دنياه لدينه أو ترك دينه لدنياه".

وفي حبِّ الدنيا ورد
عن الرسول الأكرم صلى الله عليه واله :"ليس من حُبِّ الدنيا طَلَبُ ما يُصلحُك".
وعن أمير المؤمنين عليه السلام :"الناسُ أبناء الدنيا، ولا يُلام الرجل على حبِّ أُمّه".
وعن ابن أبي يعفور: قلت لأبي عبد الله: "إنَّا لَنُحِبُّ الدنيا".

فقال لي: "تصنع بها ماذا"؟.
قلت: "أتزوّج منها، وأَحُجُّ وأُنفقُ على عيالي، وأُنيلُ إخواني، وأتصدَّق".قال "ليس هذا من الدنيا، هذا من الآخرة".

النظرة الموضوعيّة إلى الدنيا
إنّ المتأمل في مجموع النصوص الواردة حول الدنيا يخلُص إلى نتيجة واضحة هي أنّ الإشكالية ليست في الدنيا بما هي دنيا، بل هي في علاقة الإنسان بالدنيا.
وعلى حدّ التعبير المتقدّم لأمير المؤمنين عليه السلام :"أنت المتجرّم عليها؟ أم هي المتجرِّمة عليك؟".

وعليه فالنصوص التي تتحدّث عن عدم استقرار الدنيا وهزالتها كانت في صدد تنبيه الإنسان إلى أنّها غير صالحة لاتخاذها غاية نهائيّة للإنسان، لذا نهته عن أنّ يُحبَّها كغاية، بل إنّ حبّها حينئذٍ يكون رأس كلّ خطيئة، أمّا تعامل الإنسان مع الدنيا على أساس أنّها وسيلة للآخرة، فهذه العَلاقة غير مذمومة، بل هي ممدوحة وحبُّها مُسوَّغ. ولعلَّ من أروع وأجمل ما عبَّر عن هذا التفصيل بين دنيا الغاية ودنيا الوسيلة هو ما ورد عن سيّد الفصحاء وأمير البلغاء عليّ بن أبي طالب عليه السلام :"من أبصرَ بها بصَّرته، ومن أبصرَ إليها أعمته".

فنظرة "باء" الوسيلة تؤدّي إلى البصيرة، ونظرة "إلى" الغاية تؤدّي إلى العمى !.
ومع أنّ البحث طويل، إلّا أنّنا نكتفي بما مرّ، فهو يصلح كمقدّمة للدخول في بيان اهتمام الإسلام بالحياة الاجتماعيّة ليوازن المؤمن بينها وبين المعنويّات الفرديّة 1.


1-كتاب السير والسلوك/ الشيخ أكرم بركات.

20-05-2013 عدد القراءات 2018



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا