12 كانون الأول 2017 الموافق لـ 23 ربيع الأول 1439هـ
En FR

النبي وأهل البيت :: الحياة السياسية

الحياة السياسية للإمام الهادي عليه السلام



عاش الإمام الهادي عليه السلام بعد استشهاد أبيه ظروفاً صعبة وقاسية وقد عاصر حكم المتوكل الذي عرف بحقده على الإمام عليه السلام وملاحقته لأصحابه وقواعده التي كانت تتسع يوماً بعد يوم، هذا التوسع الذي انعكس على واقع الجهاز الحاكم، حتى شعر المتوكل بخطورة الموقف وحرجه، فحاول تفادي المضاعفات، بطريقين متلازمين في ان واحد معاً:

1- شن حملة مطاردة واضطهاد، لقواعد الإمام عليه السلام وأصحابه، وتدمير كل أثر شيعي لهم زيادة في إرهابهم وإمعاناً في إذلالهم، "حتى أنه هدم قبر الحسين عليه السلام وعفّى اثاره"1.

2- عزل الإمام عليه السلام عن قواعده تمهيداً لشرذمتها، وتمييع قضيتها وتيئيسها من الإنتصار.

وقد رأى المتوكل أن تواجد الإمام الهادي عليه السلام بعيداً عن رقابته (في المدينة) يشكل خطراً على دولته، فأمر باستقدامه إلى سامراء لكي يضعه تحت رقابته، ويرصد حركاته بعيداً عن قواعده الشعبية.

فقد أرسل المتوكل رسالة للإمام عليه السلام يدعوه فيها للحضور إلى سامراء مع من يختار من أهله ومواليه2 بشكل لا يثير الأمة عليه، وهو نفس أسلوب من سبقه من الخلفاء، وكما فعل المأمون قبله مع الرضا والجواد عليه السلام ومحاولة دمجهما في الجهاز الحاكم ليكونوا تحت رقابة القصر.

وأرسل المتوكل كتابه مع يحيى بن هرثمة أحد قادته العسكريين كما أرسل معه فرقة من الجند إلى المدينة وأمره باستقدام الإمام عليه السلام إلى سامراء، بعد تفتيش بيته، والبحث عن أي مستمسك يدين الإمام بالعمل والتامر ضد الدولة، فلما سمع أهل المدينة بالحادث ضجوا استنكاراً على فعلة ابن هرثمة حتى أنه أخذ يسكتهم ويحلف لهم "بأنه لم يؤمر فيه بمكروه"3 وهذا مما يدل على معرفة أهل المدينة بسوء نية السلطات تجاه الإمام عليه السلام. ويقول ابن هرثمة "ثم فتشت منزله فلم أجد فيه إلا مصاحف وأدعية وكتب العلم"4.

وقد خرج الإمام الهادي عليه السلام مصاحباً ولده الإمام العسكري عليه السلام وهو صبي، مع ابن هرثمة يقودهما إلى سامراء، وبعد وصوله إليها بيوم استدعاه المتوكل، وتلقاه جملة من أصحاب المتوكل ودخل عليه فأعظمه وأكرمه ثم حوله إلى دار قد أعدت له عليه السلام!!

وأراد المتوكل بأسلوبه الماكر هذا أن يغطي على منهجه السياسي وعدائه الدفين للإمام عليه السلام، وهو بهذا الإستدعاء يفرض عليه الإقامة الجبرية تحت عين ومراقبة القصر المُحْكَمَة والتي سوف تحصي عليه كل تحركاته وسكناته بدقة تامة.

الإمام عليه السلام تحت الرقابة:

وقد سبق أن لاحظنا أن هدف استدعاء المتوكل للإمام الهادي عليه السلام إلى سامراء هو وصحبه وصَهْرَه في حاشية الخلافة بقدر الإمكان ليكون الإمام بين سمعهم وأبصارهم فلا تفوتهم منه شاردة ولا واردة.

"وكان الإمام عليه السلام يعطي من نفسه بإزاء ذلك وكأنه يوافق الدولة العباسية على سياستها تجاهه، فكان يحضر موائدهم، ويجلس مجالسهم ويخرج في مواكبهم"5.

ولم يكن هذا الموقف من الإمام عليه السلام تنازلاً أو تسامحاً مع الدولة، فإن هذا لا يمكن مع شخصية كشخصية الإمام عليه السلام المبدئية.

وأي تنازل يبديه الإمام عليه السلام معناه التصرف ضد المصالح الإسلامية العليا. ولو أن الدولة كانت تحس في الإمام تنازلاً في مواقفه، لنال عندها أقصى المنازل الرفيعة والجاه العظيم، ولألغت مراقبتها الشديدة عليه دون أن تكرهه على الإقامة الجبرية، مع العلم أن سياستهم الجائرة تجاه الإمام كانت تتزايد يوماً بعد يوم، حتى أن المتوكل في اخر أيام حكمه ألقى بالإمام في غياهب السجون لكثرة ما رفع عنه للمتوكل من سعايات ووشايات بين اونة وأخرى، وكانت هذه الأخبار توقظ شكوك المتوكل على الإمام وتثير توجسه الكامن في نفسه، وكانت هذه الأخبار والوشايات تجعله يأمر بكبس دار الإمام للتأكد من صدق الوشاية أو كذبها.

الوشايات تبوء بالفشل:

الملاحظ في كبس دار الإمام عليه السلام أمران:

1- أن كل الأخبار والوشايات دائماً كانت تبوء بالفشل دون أن تحقق هدفها في كشف معلومات عن حقيقة عمل الإمام عليه السلام ونشاطه وفي كل مرة يرجع جواسيس الخليفة مؤكدين أنهم لم يجدوا في دار الإمام ما يثير التوجس، مما يوجب عودة المتوكل إلى هدوئه واستمراره في إظهار احترام الإمام وتقديره في الظاهر.

وكان الهادي عليه السلام يفلح في كل مرة يراد تفتيش بيته بإخفاء مكامن الشك عن الدولة، بالرغم من الأموال والكتب وما كان يقوم به من اتصالات شيعته، وكان يستعمل أسلوباً رمزياً حينما يريد التعبير عن أمر محظور في نظر الدولة6.

2- كان الإمام عليه السلام يظهر عند الكبس على داره بمظهر اللامبالاة والهدوء التام والشخص الواثق من براءته، وكان يعين الشرطة المتجسسين على مهمتهم، فيسرج لهم الضياء، ويدلهم على غرف الدار توخياً في الإيحاء للدولة بأنه لا يملك أي نشاط غريب، ولو كان الإمام عليه السلام يقف موقفاً غير هذا الموقف لحاول بسلوكه وموقفه أن يثير شك الحكام بنشاطه، وهو في غنى عنه.

وقد كبس المتوكل دار الإمام عليه السلام مرات عديدة، ومن ذلك كبسه لدار الإمام نتيجة لسعاية البطحاني به إلى المتوكل وزعمه: إن عنده أموالاً وسلاحاً، فأمر المتوكل على الفور سعيداً الحاجب بالهجوم ليلاً على دار الإمام عليه السلام وأخذ ما عنده من الأموال والسلاح وحمله إليه.

فأخذ سعيد سلماً وذهب إلى دار الإمام عليه السلام وصعد عليها من الشارع إلى السطح ونزل خلال الظلام فلم يدر كيف يصل إلى الدار، فناداه الإمام عليه السلام بكل هدوء: يا سعيد مكانك حتى يأتوك بشمعة، ويقول سعيد: فلم ألبث أن أتوني بشمعة، فنزلت، فوجدت عليه جبة صوف وقلنسوة منها، وسجادته على حصير بين يديه وهو مقبل على القبلة، فقال لي: دونك البيوت يعني الغرف فدخلتها وفتشتها، فلم أجد فيها شيئاً.

ويحاول سعيد أن يظهر اعتذاره للإمام عليه السلام وكونه مأموراً ولكن الإمام عليه السلام أظهر سخطه بتلاوته لقوله تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ7.

وفي حادثة أخرى: يصل إلى المتوكل خبر مالٍ يصل الإمام من قم وهي إحدى مراكز الولاء للإمام عليه السلام فيأمر وزيره الفتح بن خاقان أن يراقب الوضع ويأتي بالخبر، فيرسل الوزير بعض مأموريه ويدعى "أبو موسى" إلى الإمام ليرقب الوضع عن كثب8.

دور الإمام عليه السلام وموقفه من الأحداث:

حاول الإمام أن يمارس دوره وفقاً للظروف الصعبة التي عاشها وهو في سامراء تحت رقابة المتوكل وعيونه التي ترصده ليل نهار، كان نشاطه عليه السلام يتحدد في دائرة في هذا الجو المضطرب دون أن يصطدم قدر الإمكان بحدود الضغط والرقابة الموجهة إليه وإلى أصحابه، ومع ذلك فقد مارس دوره من خلال موقفين:
 

1- توعيته للأمة، ومواقفه العلمية،متمثلة برده للشبهات وإجابته على الأسئلة التي كان يوجهها الخليفة متحدياً بها الإمام عليه السلام لإحراجه أمام الناس.

فمن ذلك أن المتوكل طلب من ابن السكيت أن يسأل الإمام عليه السلام مسألة عوصاء بحضرته! فيسأله ابن السكيت عن بعض ما يراه صعباً ومشكلاً، فيخرج الإمام عليه السلام ظفراً من هذا التحدي.

حتى أن يحيى بن أكثم قال للمتوكل: "ما أحب أن تسأل هذا الرجل عن شي‏ء بعد مسائلي هذه، وإنه لا يرد عليه بشي‏ء بعدها إلا دونها وفي ظهور علمه تقوية للرافضة"9.

وكان الإمام عليه السلام يجيب السائل عن سؤاله، ويرد الشبهات الملحدة الرائجة في مجتمعه10.

2- العمل على حماية قواعده والإشراف عليها ومساعدتها على قضاء حوائجها قدر الإمكان والعمل على تثقيفهم وتركيز ثقتهم به، بصفته قائدهم الأعلى في كل شي‏ء.

وقد انصرف الإمام عليه السلام يعمل بدأب على تجديد نشاطهم الإجتماعي كلما سنحت لهذا النشاط فرص العمل وكان يمد قواعده بكل الأساليب التي تساعدهم على الصمود ومواجهة العقبات والصعاب.

"وكان الهادي يستلم الأموال الطائلة بالطرق السرية أو العلنية الممكنة من مواليه كالزكاة والخمس والخراج، ويصرفها في المصالح الإسلامية العامة لحركته، بعيداً عن أعين الحكام والعاصمة العباسية"11.

موقف العباسيين من تخطيط الإمام عليه السلام:

أما الحكام العباسيون، فقد خططوا لاحتواء عمل الإمام عليه السلام وتفريغ تخطيطه من فاعلية النشاط والتأثير، ولجم معارضته عليه السلام بالأساليب الاتية:

1- الوقوف بوجه الإمام عليه السلام وتحديه من الناحية العلمية، وقد أحبط الإمام عليه السلام محاولتهم هذه، عندما كان يجيب استفتاءاتهم ويرد على تحديهم كما رأينا سابقاً
 

2- محاولة صهر الإمام عليه السلام وتقريبه من البلاط لتمييع أطروحته وعزله عن قواعده الشعبية.

ويمكن تفسير موقف الإمام في قبوله للحضور إلى سامراء وتواجده معهم من خلال المبررات الاتية:
 

1- حملة الضغط والإكراه إلى حد التهديد بالقتل، ورفض الإمام عليه السلام وامتناعه الصريح بالحضور إلى مجلس المتوكل، يعني استفزاز الحكم ضده والظهور بمظهر الخارج عليه، وكل ذلك مما لا يتفق وسياسة الإمام المرحلية التي رسمها تجاه الدولة.

2- أراد عليه السلام احتواء وشايات بعض الجواسيس الذين أرادوا الإيقاع بالإمام والتصدي له بالأذى، وذلك عندما وشى به عبد الله بن محمد الذي كان يتولى الحرب والصلاة في المدينة، ملفتاً انتباه المتوكل إلى خطر الإمام عليه السلام ونشاطه في المدينة الذي يعمل ضد سلامة الدولة وأمنها، وأشاع خبر وجود أسلحة وكتب في بيت الإمام عليه السلام12. ولهذا أراد الإمام عليه السلام أن يظهر أمام الحكام بشكل يبدو أمره غير مثير للشك والشُّبه، وهو بهذا ربما يتفرغ للإنفتاح على مجال اخر للعمل، ويبادر لنشاط جديد.

3- ربما كان الإمام عليه السلام يرى أن تواجده بين الطبقات الحاكمة والمتنفذة في الدولة، فرصة يستطيع من خلالها أن يقول الحق بينهم ويدافع عن قضيته العادلة بين ظهرانيهم ولا نستبعد هذا الإحتمال لاحترامهم لشخص الإمام وإكبارهم لعلمه ونسبه وهو بهذا يكسب قضيته العطف في المستويات العليا من الدولة.

4- أدرك الإمام عليه السلام انذاك أن طبيعة الحكم العباسي قائم كله على المحسوبية والمنسوبية، وتأثير المصالح الشخصية والوساطات فيه. فالإمام كان يرى أن بالإمكان الإستفادة من هذا الواقع وتجييره لصالح الإسلام، والعمل على استبعاد الإضطهاد والظلم عن قواعده أو التخفيف ودفع الأخطار عنها.

الثورات العلوية والدعوة للرضا من ال محمد صلى الله عليه وآله وسلم:

الثورات العلوية كانت هي الأخرى هاجس الحكام ومثار مخاوفهم ولذا وقف العباسيون منها موقفاً صارماً، يحاولون إجهاضها قبل أن تستفحل وتشتد عليهم، ويطاردون فلولها لشرذمتها والتخلص منها بكل وسائل القهر والقمع والوحشية.

هذه النظرة الحاقدة ضد العلويين لم يختلف فيها الخليفة أو القائد أو الوزير والعامة من الموالي والأتراك الذين زخرت بهم العاصمة العباسية سامراء انذاك، والطبقة المنتفعة والمتمتعة بكل الإمتيازات الطبقية، وكان جملة منهم قواداً ومتنفذين بيدهم إعلان الحرب والسلم.

والدولة العباسية وقتئذٍ كانت تعاني تمزقاً وضعفاً من جراء سياستها الظالمة، وكانت تخاف أي بادرة تحرك علوية وتخشى شبحها، ولهذا كانت تقف منها موقفاً قاسياً تتصدى لثائريها بأقصى العقوبات الزاجرة.

كان الثوار العلويون، عندما يتوسمون في أنفسهم القوة والإتباع يرون وجوب التخطيط للثورة والخروج على حكامهم المنحرفين، وكانت أغلب الثورات تدعو إلى شعار الرضا من ال محمد ويريدون بهذا الشعار الشخص الذي هو أفضل ال محمد، وليس في اعتقادهم غير الإمام الهادي عليه السلام.

والثوار بشعارهم الفضفاض هذا، يريدون به تكتيكاً بارعاً لإخفاء اسم الإمام عليه السلام دون أن يضعه في حال فشل الثورة موضع التهمة والحرج تجاه السلطات الحاكمة، وهم يعلمون أن الإمام عليه السلام أمام سمع الدولة وبصرها، ولربما قتلته بعد أن تتهمه بإثارة العصيان والتمرد ضدها.

وقد أكدنا حقيقة مرّ ذكرها في أكثر من مكان: بأن الأئمة تركوا العمل المسلح والإصطدام المباشر لثوار علويين، لتحريك ضمير الأمة وإرادتها وتحصين الأمة ضد الإنحراف، وحاولوا بتضحياتهم المتتالية أن يحافظوا على الضمير الإسلامي والإرادة الإسلامية من الإنهيار، والأئمة عليه السلام كانوا بدورهم يسندون المخلصين من الثائرين، إما بشكل مباشر أو من خلال تعاليمهم التي كانت تؤثر في نفوس قواعدهم الموالية مما يؤدي إلى إعلان العصيان المسلح على الدولة.

ولأجل الدقة والموضوعية في البحث لا نستطيع القول بأن كل الثوار العلويين، كانوا ثائرين على أساس الوعي الإسلامي في تطبيق أحكام الإسلام وتحت قيادة الإمام المعصوم عليه السلام وإن كان الإعتقاد أن غرض أكثر الثوار هو ذلك13.

* الحياة السياسية لأئمة أهل البيت عليهم السلام، سلسلة المعارف الإسلامية، نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


1- الكامل ج‏5، ص‏403.
2- الإرشاد، ص‏313.
3- مروج الذهب للمسعودي، ج‏4، ص‏48.
4- التذكرة لابن الجوزي والموسوعة، ص‏39.
5- تاريخ الغيبة، ص‏241.
6- تاريخ الغيبة، ص‏941.
7- الإرشاد، ص‏310، والفصول المهمة لابن الصباغ ص‏892.
8- الإحتجاج، ج‏2، ص‏062 152.
9- المناقب، ج‏3، ص‏705.
10- الإحتجاج، ج‏2، ص‏062 152.
11- المناقب، ج‏3، ص‏215.
12- الإرشاد، ص‏313.
13- راجع تاريخ الغيبة للصدر، ص‏80 وراجع مقاتل الطالبين للوقوف على ثورات العلويين ومقاومتهم للحكام.

01-04-2013 عدد القراءات 2087



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا