17 كانون الأول 2017 الموافق لـ 28 ربيع الأول 1439هـ
En FR

النبي وأهل البيت :: الحياة السياسية

الإمام الهادي عليه السلام والسلطة الحاكمة



إمامة الهادي عليه السلام
تسلّم الإمام الهادي عليه السلام الإمامة وعمره حوالي الست سنوات، وذلك بعد استشهاد أبيه الإمام الجواد عليه السلام عام (220هـ). فإمامته عليه السلام هي المصداق الثاني للإمامة المبكّرة الّتي ظهرت في مدرسة أهل البيت عليهم السلام. وعلى هذا الأساس فمن الطبيعيّ أن يكون خضوع علماء الطائفة ووجهائها لإمامته على أساس النصّ المعتبر أو الإحساس المباشر بقابليّات الإمام عليه السلام وقدراته الربّانية الّتي تعتقد الطائفة بلزوم توفّرها في الإمام المعصوم.

ومن الطبيعيّ أن يكون التمهيد لإمامة الجواد عليه السلام المبكّرة تمهيداً لإمامة من يليه من الأئمّة المعصومين في سنّ مبكرة، حيث إنّ كثيراً من الاستبعادات قد أُجيب عنها خلال التمهيد الّذي قام به الإمام الرض عليه السلام أوّلاً والجدارة الّتي أثبتها الإمام الجواد عليه السلام خلال سنوات إمامته القصيرة.

إذاً، لمّا كانت مشكلة البلوغ قد حُلَّت بالنسبة للإمام الجواد عليه السلام فلم يحصل أدنى شكّ في إمامة الهادي عليه السلام بالنسبة لكبار شخصيّات الشيعة.

وقد ذكر الشيخ المفيد والنوبختيّ أنّ جميع شيعة الإمام الجواد عليه السلام دخلوا في طاعة الإمام الهادي عليه السلام إلّا أفراداً قلائل تبعوا لأمدٍ قصير موسى بن محمّد المعروف بالمبرقع المتوفّى في العام (296هـ) والمدفون في قمّ، ثمّ تركوا القول بإمامته بعد مدّة قصيرة واعتقدوا بإمامة الهادي عليه السلام1.

ويرى سعد بن عبد الله الأشعريّ أنّ سبب مفارقتهم لموسى المبرقع والتحاقهم بالإمام الهادي عليه السلام هو أنّ موسى كذّبهم وتبرّأ منهم ومن الإمامة لنفسه2.

إضافة إلى ذلك فإنّ الإمام الجواد عليه السلام حين طُلب منه الحضور إلى بغداد من قبل المعتصم العبّاسيّ فهم مغزى هذا السفر وأدرك مدى خطورته، فبادر إلى تعيين الإمام الهادي عليه السلام وصيّاً له وأصدر نصّاً مكتوباً بإمامة الهادي عليه السلام بحيث لم يبقَ هناك أيّ مجال للشكّ4.

وقد قضى الإمام الهادي عليه السلام اثنتين وعشرين سنة من عمره المبارك في مدينة جدّه صلى الله عليه وآله وسلم. وحُمل على الهجرة منها سنة (234هـ) بعد أن كان قد ولد له الإمام الحسن العسكريّّ عليه السلام في سنة (232هـ).

وبهذا يكون الإمام الهادي عليه السلام قد قضى أربع عشرة سنة من سنيّ إمامته في المدينة، وعشرين سنة أخرى في (سرّ من رأى) مقرّ حكومة العبّاسيّين.

وقد أدرك عليه السلام في حياة أبيه ستّ سنوات من عهد المأمون وسنتين من حكم المعتصم، وعاصر بعد استشهاد أبيه خلال أربع وثلاثين سنة - وهي سنيّ إمامته - ستّة من الحكّام العبّاسيّين، وهم على الترتيب: المعتصم (دام حكمه 10 سنوات) من سنة 217هـ، والواثق (5 سنوات و9 أشهر) من سنة227هـ، والمتوكّل (14 سنة) من سنة 232هـ، والمنتصر (ستّة أشهر) 247هـ، والمستعين (حوالي 4 سنوات) من سنة 248هـ، والمعتّز تولّى الحكم من سنة 252هـ، واستشهد الإمام عليه السلام في عهد ه سنة 254هـ.

الحالة السياسيّة في عصر الإمام الهادي عليه السلام

اتّسم عصر الإمام الهادي عليه السلام بانتشار الفوضى وفقدان الأمن، لأنّ السلطة العبّاسيّة كانت قد فقدت هيمنتها وقدرتها الّتي كانت تتمتّع بها أيّام الرشيد والمأمون.

ويعود ذلك إلى عدّة أسباب منها: تسلّط الأتراك على زمام الحكم حتّى لم يعد للخليفة أيّ نفوذ وسلطان، إذ كانوا هم الّذين يولّون من شاءوا ويعزلون من أرادوا في الخفاء فضلاً عن الوزراء وسائر أعمال الدولة5.

ولم يكن للأتراك معرفة بشؤون الحكم والإدارة، ومن هنا ظهرت ألوان الفساد في الجهاز الحاكم بدءاً بانعدام المسؤوليّة إلى انتشار الرشوة، واختلاس أموال الأمّة بواسطة الوزراء والعمّال والقضاة وكتّاب الدواوين وغير ذلك من ألوان الفساد.

وكان الولاة يشترون وظائفهم من الوزراء. وجَهِد أغلبهم في ظلم الناس والاستبداد بهم وزجّوا الأبرياء في ظلمات السجون. من هنا كره المسلمون الحكم العبّاسيّّ وتمنّوا زواله.
أمّا سياسة الحكّام فنذكر على سبيل المثال أنّ سياسة المأمون كانت تقوم على التمسّك بمذهب المعتزلة والدفاع عنهم، وهذا يعني فسح المجال تلقائيّاً أمام الشيعة والعلويّين. ولكنّ الأمور تغيّرت بمجي‏ء المتوكّل إلى سدّة الحكم حيث ابتدأ بالتشدّد والضغط من جديد، وانتهج سياسة الدفاع عن آراء أهل الحديث وتحريضهم ضدّ المعتزلة والشيعة، وهو ما نجم عنه قمع هذين المذهبين بشدّة، وتعرّض العلويّون ولا سيّما في أيّام المتوكّل إلى الملاحقة والاعتقال والاضطهاد.

وأقدم المتوكّل على هدم قبر الإمام الحسين عليه السلام، إذ كان يتحرّق غيظاً ممّا يسمعه من تهافت الناس على زيارة هذا القبر الشريف. كما هدم كلّ بناء حول القبر وأجرى الماء عليه إلّا أنّ الماء دار حول القبر ولم يصل إليه، ومن ثمّ سُمّي المكان بالحائر. ومنع المتوكّل رسميّاً المسلمين من زيارة قبر ريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسيّد شباب أهل الجنّة عليه السلام، وأنزل العقوبة بالزائرين والّتي تمثّلت في القتل والصلب وقطع الأيدي.

نتج عن هذه الفوضى السياسيّة فوضى اقتصاديّة تمثّلت في النهب والسلب وعدم التوزيع الصحيح للثروة، فضلاً عن احتكار الأموال الطائلة، وانتشار البؤس والفقر بين الأكثريّة الساحقة من أبناء الأمّة إلى جانب البذخ والإسراف الّذي كان يطغى على سلوك الخلفاء.

وظاهرة بناء القصور في عهد المتوكّل ظاهرة ملفتة للنظر، حتّى أنّه قد بنى قصراً في سفينة. وقد أنفق الملايين على قصوره الّتي عرفت بالجعفريّ والبرج والمليح والمختار والشبندار، وبرك الماء الّتي كانت مسرحاً للّهو والعبث والسخرية بالناس، بدل صرف أوقاته وأموال المسلمين في خدمة الأمّة ومعالجة مشكلاتها.

لقد كانت معظم حياة هؤلاء الخلفاء حياة لهو ومجون؛ فقصورهم كانت مسرحاً لتعاطي المنكرات وشرب الخمور.

الإمام الهادي عليه السلام في سامرّاء

بعد الممارسات القاسية ضدّ الإمام عليه السلام في المدينة، أمر المتوكّل بجلبه إلى سامرّاء. وكان غرضه من ذلك مراقبة تحرّكات الشيعة وزياراتهم، وذلك في سنة (243هـ) بعد أن كتب عبد الله بن محمّد الهاشميّ رسالة للمأمون يقول فيها: "إذا كانت لك في الحرمين حاجة فأخرج عليّ بن محمّد منها، فإنّه قد دعا الناس إلى نفسه، واتّبعه خلق كثير". ومن بعد هذا أنفذ المتوكّل يحيى بن هرثمة ليأتيه بالإمام عليه السلام إلى سامرّاء6. وذكر الشيخ المفيد أنّ الإمام عليه السلام أرسل كتاباً إلى المتوكّل فنّد فيه ما بلغه من أخبار عنه7، فكتب المتوكّل إلى الإمام عليه السلام يخبره بأنّه قد عزل عبد الله بن محمّد ونصّب محمّد بن الفضل بدلاً عنه، وأنّه يقدّره ومستعدّ للبرّ به ومشتاق لرؤيته وإحداث العهد معه والنظر إليه.

ثمّ طلب المتوكّل من يحيى بن هرثمة أن يسير بثلاثمائة جنديّ ليأتيه بعليّ بن محمّد عليه ما السلام مكرّماً. وواضح أنّ المتوكِّل إنّما فعل ذلك خشية حدوث حساسيّة سياسيّة في المجتمع.
وأقام عليه السلام في سامرّاء عشرين عاماً وعدّة أشهر إلى أن استشهد فيها. يقول الشيخ المفيد: "كان فيها الإمام مكرّماً في ظاهر حاله، يجتهد المتوكّل في إيقاع حيلة به فلا يتمكّن من ذلك"8.

أمّا الأسباب الّتي دعت المتوكل لاستدعاء الإمام عليه السلام من المدينة فهي متعدّدة منها:
وشاية بعض عمّال السلطة العبّاسيّة الّذين كانوا يرون الإمام عليه السلام منافساً لهم.

وكذلك تكشف لنا الرسالة الّتي بعث بها المتوكل إلى الإمام عليه السلام والّتي يطلب فيها منه الحضور إلى سامرّاء أنّه كان يهدف إلى أمور إعلاميّة منها:
التأثير في أهل المدينة محاولةً منه لتغيير انطباعهم؛ فإنّ الغالبيّة من أهل المدينة كانوا يعرفون المتوكّل ويعلمون عداءه لأهل البيت عليه م السلام وشيعتهم.
إبداء الاحترام للإمام الهادي عليه السلام وأنّه على رأيه ويقدّره ويعزّه، لذا فقد أبدل والي المدينة بغيره، ومن ثمّ جعل له الحريّة في الشخوص إلى الخليفة كيف يشاء الإمام عليه السلام. وهذه أساليب تغري العامّة، فالإمام عليه السلام يدرك ما يهدف إليه المتوكّل من استدعائه.

سياسة المتوكّل مع الإمام الهادي عليه السلام

عُرف المتوكّل ببغضه لأمير المؤمنين عليه السلام بشكل خاصّ ولآل البيت عليه م السلام بشكل عامّ.

فضيّق على الإمام الهادي عليه السلام وأمر بإنزاله - لمّا أشخصه إلى سامراء قسراً - في خان الصعاليك للحطّ من شأنه والتقليل من أهمّيته أمامَ الرأي العام. وفرض عليه الإقامة الجبريّة، والحصار الاقتصاديّّ. وفرض أقصى العقوبات على من يصل الإمام بالحقوق الشرعيّة أو سائر الهدايا، ومنع الناس من زيارته والتشرّف بخدمته، وأمر هذا الطاغية باعتقال الإمام عليه السلام وزجّه في السجن، فبقي عليه السلام أيّاماً.

ولمّا ثقل أمر الإمام عليه السلام على المتوكّل، وضاق به ذرعاً حيث ساءه ما يتحدّث به الناس عن فضله وسعة علومه، وزهده وتقواه، وذهاب الشيعة إلى إمامته، وأنّه أحقّ بالخلافة وأولى بها منه، حاول اغتياله والقضاء عليه، إلّا أنّه باء بالفشل، ولم يصل إلى مرامه.

وهكذا فعل أركان السلطة الّذين حاولوا النيل من شخصيّّة الإمام عليه السلام وكانوا يفتّشون بيته، ويجلبونه ليلاً إلى المتوكّل المغمى عليه من السكر والشراب بتهمة الإعداد للثورة والمواجهة، كما كانوا يسعون لإيجاد زعيم بديل عنه، وكلّ تلك المحاولات باءت بالفشل.

والتجأ الإمام عليه السلام إلى الله تعالى، وانقطع إليه، ودعا على المتوكّل بدعاء (المظلوم على الظالم)، وهو من الكنوز المشرقة عند أهل البيت عليه م السلام. واستجاب الله تعالى دعاء وليّه فقصم ظهر عدوّه وانتقم منه كأشدّ ما يكون الانتقام، فلم يلبث المتوكّل بعد هذا الدعاء سوى ثلاثة أيّام حتّى أودى الله بحياته، وجعله أثراً بعد عين. ونعرض - بإيجاز - إلى كيفيّة هلاكه.

المؤامرة على المتوكّل وهلاكه‏
دُبّرت المؤامرة على المتوكّل للقضاء عليه بإحكام، وأحيطت بكثير من السرّ والكتمان. وكان من أعضاء هذه المؤامرة ولده المنتصر- الّذي كان حاقداً على أبيه بسبب احتقاره وازدرائه له. وتنقل الروايات أنّ المنتصر كان بعكس أبيه شديد الميل لأمير المؤمنين عليه السلام- وكذلك "وصيف التركيّ" الّذي كان ذا منصب عالٍ في الدولة، و"بغا التركيّ" ونفّذ هؤلاء المؤامرة في غلس الليل البهيم.

تمثّلت فصول المؤامرة بغلق أبواب القصر، وقتل الفتح بن خاقان رئيس الوزراء، ثمّ الإشاعة بين الجماهير أنّ الفتح قام بانقلاب عسكريّ فاشل، وقد قتل الخليفة المتوكل، وأنّ المنتصر أخمد ذلك الانقلاب، وقتل الفتح ثأراً لأبيه.. وبدأ التنفيذ للمخطّط بهجوم الأتراك على المتوكّل يتقدّمهم "باغر التركيّ"9 وقد شهروا سيوفهم. وكان المتوكّل ثملاً سكران وذُعر الفتح بن خاقان فصاح بهم "ويلكم أمير المؤمنين" فلم يعتنوا به، ورمى بنفسه عليه ليكون كبش الفداء له إلّا أنّه لم يغن عن نفسه ولا عنه شيئاً، وأسرعوا إليهما، فقطّعوهما بسيوفهم إرباً إرباً، بحيث لم يعرف لحم أحدهما من الآخر، ودفنا معاً، وبذلك انطوت أيّام المتوكّل الّذي كان من أعدى الناس لأهل البيت عليه م السلام.

وتسلّم المنتصر الخلافة وسلك سياسة رشيدة، وردّ فدك إلى العلويّين ورفع الحَجْرَ عن أوقافهم، وسمح للناس بزيارة مرقد أمير المؤمنين عليه السلام ورفع الحَجْرَ عن زيارة الإمام الحسين عليه السلام10.

ولكن ما لبث الأتراك أن تحايلوا عليه مع كونه مهيباً متحرّزاً، فدسّوا إلى طبيبه ابن طيفور ثلاثين ألف دينار لقتله، ففعلها الطبيب.
ومن بعده تسلّم الخلافة المستعين الّذي خلعه الأتراك بعد فترة، وبايعوا أخاه المعتزّ بدلاً عنه، وكان المعتزّ مستضعفاً من قبل الأتراك وألعوبة بأيديهم.

ويذكر المؤرّخون الموقف الاستبداديّ للمعتزّ ضدّ آل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم واضطهاد شيعتهم، ومن ذلك: قتله لجعفر بن محمّد الحسينيّ في واقعة حدثت بالريّ بينه وبين أحمد بن عيسى عامل محمّد بن طاهر11، وقتله لإبراهيم بن محمّد العلويّ، وقتله طاهر بن عبد الله في واقعة كانت بينه وبين الكوكبيّ بقزوين12، وهناك من مات في الحبس، مثل عيسى بن إسماعيل الجعفريّ وأحمد بن محمّد الحسينيّ13.

الثورات في عصر الإمام الهادي عليه السلام

الثورات العلويّة كانت هاجس الحكّام ومثار مخاوفهم، ولذا وقف العبّاسيّّون منها موقفاً صارماً، يحاولون إجهاضها قبل أن تستفحل وتشتدّ عليه م، ويطاردون فلولها لشرذمتها والتخلّص منها.

وأهمّ ما يميّز عصر الإمام الهادي عليه السلام هو ضعف الخلافة العبّاسيّة وسقوط هيبتها لاستيلاء الأتراك على العاصمة، والعمّال والأمراء على الأطراف. ونتيجة لذلك كان الخليفة مسلوب الإرادة يُحرَّك من قبل قوّاده الّذين كان بأيديهم زمام السلطة14.

واتّسم الوضع بعدم الاستقرار وازدياد الاضطرابات وكثرة الخارجين على السلطة وكثرة الوثبات في الأمصار، فكان للخوارج نشاط ملحوظ قويّ ومدعّم بالمال والسلاح. كما نجد أنّ مجموعة من الأقاليم قد حدثت فيها انتفاضات ضدّ السلطة كما حصل في الأردنّ بقيادة رجل من لخم. وكانت في حمص وثبة أخرى ضدّ عاملها كيدر الأشروبينيّ، وكذا وثبة الجند في سامرّاء فضلاً عن حدوث ثورات أخرى منها: ثورة يحيى بن عمر بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن أبي طالب عليه السلام. وقد انطلقت هذه الثورة من كربلاء باتّجاه الكوفة وكان شعارها الدعوة إلى "الرضا من آل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم"، وعُرف يحيى بحُسن السيرة وأظهر العدل حتّى قتل15.

أمّا موقف الإمام الهادي عليه السلام تجاهها وسواها من الأحداث فيمكن معرفته من حقيقة وجوهر مواقف الأئمّة الّذين تركوا العمل المسلّح والاصطدام المباشر لثوار علويّين، لتحريك ضمير الأمّة وإرادتها وتحصينها ضدّ الانحراف، وحاولوا بتضحياتهم المتتالية أن يحافظوا على الضمير الإسلاميّ والإرادة الإسلاميّة من الانهيار. والأئمّة عليه م السلام كانوا بدورهم يساندون المخلصين من الثائرين، إمّا بشكل مباشر أو من خلال تعاليمهم الّتي كانت تؤثّر في نفوس قواعدهم الموالية ممّا يؤدّي إلى إعلان العصيان المسلّح على الدولة.

ولأجل الدقّة والموضوعيّة في البحث لا نستطيع القول إنّ كلّ الثوّار العلويّين كانوا ثائرين على أساس الوعي الإسلاميّ في تطبيق أحكام الإسلام وتحت قيادة الإمام المعصوم عليه السلام وإن كان الاعتقاد أنّ غرض أكثر الثوّار هو ذلك16.

الإمام الهادي عليه السلام والأتراك

إنّ الحديث عن موقف الإمام الهادي عليه السلام تجاه الأتراك يتّضح لنا من خلال نقطتين:

الأولى: كان للأتراك دور كبير ومؤثّر في الحياة العامّة يبدأ بالتأثير في السياسة المتّبعة وتغيير الخليفة وعزله وتنصيبه، إلى أبسط الأمور ذات العلاقة بسياسة الدولة والمجتمع.
الثانية: أنّ الأتراك لم يكونوا من موالي الإمام عليه السلام وشيعته بل إنّهم كانوا القوّة الضاربة للدولة ويدها وعقلها المدبّر. وكان الأتراك على قسمين: القوّاد والأمراء، وعامّة الجند. وكان بيدهم إعلان الحرب والسلم مع أيّ شخص في أطراف الدولة. وكانوا يخوضون الحرب في الجيش الممثّل للدولة، وهو المنتصر في الحرب غالباً. وبذلك يغنم الأتراك ومن يليهم أموالاً طائلة على حساب المظلومين المقهورين تحت وطأة الحروب.

ولم يكن الإمام عليه السلام ليوافق على تصرّفاتهم الّتي لم تكن قائمة على شي‏ء من تعاليم الدِّين والعدل الإسلاميّ، وبخاصّة أنّه يعلم موقفهم ضدّه وضدّ مواليه حتّى أنّ الخليفة كان يستخدمهم في الهجوم على دار الإمام وحبسه. ومن هنا ينبثق موقفه عليه السلام حيث كان موقفاً حكيماً جدّاً مراعياً فيه ظروفهم وموقعهم السياسيّ والاجتماعيّّ.

إنّ جهود الإمام عليه السلام في هذا الاتّجاه قد أثمرت بعض الشي‏ء في تقريب بعضهم إليه وإيمانهم بفضله، وربّما بإمامته. وكانت جهوده عليه السلام متواصلة في ذلك17.

الخلاصة

- كانت إمامة الإمام الهادي عليه السلام المصداق الثاني لظاهرة الإمامة المبكرة حيث تسلّم الإمامة وعمره حوالي الست سنوات.
- عاش الإمام عليه السلام اثنتين وعشرين سنة في مدينة جدّهصلى الله عليه وآله وسلم، وحُمل على هجرتها سنة (234هـ) إلى سامرّاء وبقي فيها عشرين سنة إلى شهادته.

- اتّسم عصر الإمام الهادي عليه السلام بانتشار الفوضى وفقدان الأمن. وقد أدرك حكم المأمون ثمّ المعتصم، والواثق والمتوكل، والمستنصر والمستعين واستشهد في زمن المعتزّ العبّاسيّّ.
- تسلّط الأتراك على السلطة العبّاسيّة وأمسكوا بزمام الأمور، وكانوا يولّون من يشاؤون ويعزلون من أرادوا.

- أمر المتوكّل العبّاسيّ بحمل الإمام الهادي عليه السلام إلى سامرّاء لأجل مراقبة تحرّكاته، ولوشاية بعض عمّاله الّذين كانوا يرون في الإمام منافساً لهم.
- اعتمد المتوكّل سياسة البغض لآل البيت عليهم السلام، والحطّ من شأن الإمام الهادي عليه السلام والتقليل من أهمّيته، والتضييق عليه، ووضعه في السجن.

- هلك المتوكّل على يد ولده المنتصر الّذي حاول انتهاج سياسة مغايرة لسياسة أبيه، فردّ فدك للعلوييّن.
- تسلّم المعتزّ العبّاسيّ الحكم من بعد المستعين ووقف موقفاً معادياً لآل البيت عليهم السلام.

- قامت الثورات العديدة في عصر الإمام الهادي عليه السلام في العديد من مناطق الخلافة.

* بحوث في الحياة السياسية لأهل البيت عليهم السلام، سلسلة المعارف الإسلامية، نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


1- الفصول المختارة من العيون والمحاسن، الشيخ المفيد: 257، انظر مصنفات الشيخ المفيد، منشورات المؤتمر العالمي بمناسبة ذكرى ألفيّة الشيخ المفيد، قم، إيران، 1413هـ. وفرق الشيعة، م.س: 91 ـ 92.
2- المقالات والفرق، 99 انظر مصنفات الشيخ المفيد، م. س.
3- الكافي، م.س: 1/333.
4- بحار الأنوار، م.س: 5/118 ـ 123.
5- راجع: تاريخ اليعقوبي، م. س: عهد المعتصم والمعتمد والمعتزّ.
6- بحار الأنوار، م.س: راجع الجزء الخمسين (عيون المعجزات).
7- الإرشاد، م.س: 333.
8- م.ن: 334.
9- وهو غير "بغا التركي".
10- الكامل في التاريخ، م.س: 10/349.
11- مقاتل الطالبيّين، م.س: 434.
12- م.ن.
13- م.ن.
14- الكامل في التاريخ، م.س: 6/73.
15- مقاتل الطالبيّين، م.س: 420.
16- تاريخ الغيبة الصغرى، السيّد محمّد الصدر: 800.
17- تاريخ الغيبة الصغرى، السيّد محمّد الصدر: 158 ـ 159، بتصرّف.

01-04-2013 عدد القراءات 1353



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا