19 أيلول 2017 الموافق لـ 28 ذو الحجة 1438
En FR

النبي وأهل البيت :: الشهادة

الشهادة



وهكذا بقي الإمام عليه السلام بأمر من هارون الرشيد في سجن السنديّ بن شاهك لعنه الله، الذي جهد في إرهاقه وتنكيله، وبالغ في أذاه، وضيّق عليه في المأكل والمشرب، وما رآه إلّا سبّه وشتمه، ومنعه من التواصل مع الناس، كلّ ذلك ليتقرّب إلى هارون وينال من دنياه.

وأقفل الباب في وجهه ولم يدعه يخرج إلّا لتجديد طهوره1 ، هذا وقد قيّده بثلاثة قيود من الحديد وزنها ثلاثون رطلاً 2، والإمام عليه السلام متوجّهاً إلى ربّه بالدعاء والمناجاة والصلاة، يسجد عند طلوع الشمس فلا يرفع رأسه إلى الزوال سجدة واحدة..3

وكتب الإمام عليه السلام من سجنه إلى عليّ بن سويد كتاباً جاء فيه: "إن أول ما أنهي عليك أن أنعى إليك نفسي في ليالي هذه، غير جازع، ولا نادم، ولا شاكٍّ فيما هو كائن ممّا قضى الله وقدر وحتم"4.

إلى أن أمر هارون السنديّ بن شاهك فيه بأمره، فدسّ له سمّاً في طعام له، وفي بعض الروايات أنّه جعله له في رطب، فأكل منه الإمام عليه السلام، فقال له السندي: تزداد؟ فقال له: حسبك قد بلغت ما تحتاج إليه فيما أمرت به5 ، فأحسّ الإمام بالسمّ يسري في بدنه، فمرض وتوعّك ثلاثة أيّام6.

امن البصرة السجن بغداد جابه
ذبّه ابسجن أظلم غلق بابه
عجيبه امصيبته والله عجيبه
او كبده من الألم زايد لهيبه

ابحديد او قيد ويدوّر ذهابه
ونهى السجّان يمّه الناس يصلون
من سجن السجن ظالم يجيبه
 


ثمّ إنّ الإمام عليه السلام دعا بالمسيّب بن زهير- وذلك قبل وفاته بثلاثة أيّام وكان موكلاً به- فقال له: "يا مسيّب"، فقال: لبّيك يا مولاي، قال: "إنّي ظاعن في هذه الليلة إلى المدينة، مدينة جدّي رسول الله صلّى الله عليه وآله لأعهد إلى عليّ ابني ما عهده إليّ أبي، وأجعله وصيّي وخليفتي وآمره بأمري"، قال المسيّب: فقلت: يا مولاي كيف تأمرني أن أفتح لك الأبواب وأقفالها والحرس معي على الأبواب؟! فقال: "يا مسيّب ضعف يقينك في الله عزَّ وجلَّ وفينا؟"، قلت: لا يا سيّدي، قال: "فمه؟"، قلت: يا سيّدي ادع الله أن يثبّتني، فقال: "اللهمّ ثبّته". ثمّ قال: "إنّي أدعو الله عزَّ وجلَّ باسمه العظيم الذي دعا به آصف حتّى جاء بسرير بلقيس فوضعه بين يدي سليمان قبل ارتداد طرفه إليه حتّى يجمع بيني وبين ابني عليّ بالمدينة".

قال المسيّب: فسمعته عليه السلام يدعو ففقدته عن مصلّاه فلم أزل قائماً على قدمي حتّى رأيته قد عاد إلى مكانه وأعاد الحديد إلى رجليه فخررت لله ساجداً لوجهي شكراً على ما أنعم به عليّ من معرفته.

فقال لي: "ارفع رأسك يا مسيّب، واعلم أنّي راحل إلى الله عزَّ وجلَّ في ثالث هذا اليوم"، قال: فبكيت فقال لي: "لا تبك يا مسيّب، فإنّ عليّاً ابني هو إمامك ومولاك بعدي، فاستمسك بولايته فإنّك لن تضلّ ما لزمته"، فقلت: الحمد لله...7

ثمّ إنّ السنديّ بن شاهك أحضر القضاة والعدول قبل وفاته عليه السلام، وأخرجه إليهم وقال: إن الناس يقولون: إنّ أبا الحسن موسى في ضنك وضرّ، وها هو ذ، لا علّة به ولا مرض ولا ضرر، فالتفت عليه السلام فقال لهم: "اشهدوا عليّ إنّي مقتول بالسمّ منذ ثلاثة أيّام، استشهدوا أنّي صحيح الظاهر ولكنّي مسموم وسأحمرّ في آخر هذا اليوم حمرة"، فمضى كما قال عليه السلام..8

وفي رواية أنّه قال عليه السلام: "يا فلان وفلان، إنّي سقيت السمّ في يومي هذ، وفي غدٍ يصفرّ بدني، وبعد غدٍ يسودّ وأموت"9.
وفي بعض الروايات: جاءه الطبيب فعرض عليه خضرة في بطن راحته، وكان السمّ الذي سمّ به قد اجتمع في ذلك الموضع، فانصرف الطبيب إليهم فقال: والله هو أعلم بما فعلتم به10.

ألف يا حيف ألف وأكثر وسافه
وطبيب الگلّب ابكفّك وشافه

يظل نعشك على جسر الرصافة
ايگول او لا عشيرة الهاذا تظهر


قال المسيّب بن زهير: ثمّ إنّ سيّدي عليه السلام دعاني في ليلة اليوم الثالث فقال لي: "إنّي على ما عرّفتك من الرحيل إلى الله عزَّ وجلَّ فإذا دعوت بشربة من ماء فشربتها ورأيتني قد انتفخت وارتفع بطني واصفرّ لوني واحمرّ واخضرّ وتلوّن ألواناً فخبّر الطاغية بوفاتي، فإذا رأيت بي هذا الحدث فإيّاك أن تظهر عليه أحداً ولا على من عندي إلّا بعد وفاتي".

قال المسيّب بن زهير: فلم أزل أرقب وعده حتّى دعا عليه السلام بالشربة فشربها ثمّ دعاني، فقال لي: "يا مسيّب إن هذا الرجس السنديّ شاهك سيزعم أنّه يتولّى غسلي ودفني، هيهات هيهات أن يكون ذلك أبداً! فإذا حملت إلى المقبرة المعروفة بمقابر قريش فألحدوني بها ولا ترفعوا قبري فوق أربع أصابع مفرّجات ولا تأخذوا من تربتي شيئاً لتتبرّكوا به،11 فإنّ كلّ تربة لنا محرّمة إلّا تربة جدّي الحسين بن عليّ عليهما السلام فإنّه تعالى جعلها شفاءً لشيعتنا وأوليائنا".

قال: ثمّ رأيت شخصاً أشبه الأشخاص به جالساً إلى جانبه وكان عهدي بسيّدي الرضا عليه السلام وهو غلام فأردت سؤاله فصاح بي سيّدي موسى عليه السلام فقال: "أليس قد نهيتك يا مسيّب"؟! فلم أزل صابراً حتّى12..حضر أجل الإمام واستقبل القبلة وعرق جبينه وسكن أنينه وفاضت روحه الطاهرة ومضى وحيداً فريداً غريباً بعيداً عن الأهل والأوطان وهو مع ذلك في ظلمات السجون مكبّلاً بالحديد..

أي وا إماماه، وا سيّداه، وا غريباه، وا كاظماه..

وقيل: بل غمر في بساط ولفّ13 ، وقعد الفرّاشون النصارى على وجهه14.

دَسُّوا إِلَيْكَ نَقِيعَ السُّمِّ في رُطَبٍ
حَتَّى قَضَيْتَ غَرِيبَ الدَّارِ مُنْفَرِدَاً

فَاخْضَرَّ لَوْنُكَ مُذْ ذَابَتْ بِهِ الكَبِدُ
لِلهِ نَاءٍ غَرِيبُ الدَّارِ مُنْفَرِدُ

يقول المسيّب بن زهير: ثمّ أنهيت الخبر إلى الرشيد فوافى السنديّ بن شاهك فوالله لقد رأيتهم بعيني وهم يظنّون أنّهم يغسّلونه فلا تصل أيديهم إليه ويظنّون أنّهم يحنّطونه ويكفّنونه وأراهم لا يصنعون به شيئ، ورأيت ذلك الشخص يتولّى غسله وتحنيطه وتكفينه وهو يظهر المعاونة لهم وهم لا يعرفونه.

فلمّا فرغ من أمره قال لي ذلك الشخص: "يا مسيّب مهما شككت فيه فلا تشكّنّ فيَّ فإنّي إمامك ومولاك وحجّة الله عليك بعد أبي عليه السلام، يا مسيّب مثلي مثل يوسف الصدِّيق عليه السلام ومثلهم مثل إخوته حين دخلوا فعرفهم وهم له منكرون"15.

ثمّ حمله السنديّ بن شاهك على نعش وأخرج ووضع على جسر ببغداد16 (جسر الرصافة)17 ونودي عليه: هذا إمام الرافضة فاعرفوه..

فلمّا أتي به مجلس الشرطة أقام أربعة نفر فنادوا- بعكس هذا النداء-: ألا من أراد أن ينظر إلى (الطيّب بن الطيّب) موسى بن جعفر فليخرج.. ..18 وترك ثلاثة أيّام على الطريق يأتي من يأتي فينظر إليه..19

ثلث تيام ظل من غير تغسيل
شالوه للجسر أربع حماميل
اشحال ابنه الرضا لمن قصد ليه
ظل يبكي اعلى حاله او ينحني اعليه

ما عنده عشيره النعشه اتشيل
اوبيه سمعت الناس او غدت تلتم
اوعاين للحديد اوشاف رجليه
حتّى انگتل بخراسان بالسم

يقول الراوي: وخرج سليمان بن أبي جعفر- عمّ الرشيد- من قصره إلى الشطّ فسمع الصياح والضوضاء فقال لولده وغلمانه: ما هذا؟ قالوا: السنديّ بن شاهك ينادي على موسى بن جعفر على نعش، فقال لولده وغلمانه: يوشك أن يفعل به هذا في الجانب الغربيّ فإذا عبر به فانزلوا مع غلمانكم فخذوه من أيديهم فإن مانعوكم فاضربوهم واخرقوا ما عليهم من السواد، قال: فلمّا عبروا به نزلوا إليهم فأخذوه من أيديهم وضربوهم وخرقوا عليهم سوادهم ووضعوه في مفرق أربع طرق وأقام المنادون ينادون: ألا من أراد أن ينظر إلى الطيّب بن الطيّب موسى بن جعفر فليخرج، وحضر الخلق وغسّله وحنّطه بحنوط وكفّنه بكفن فيه حبرة استعملت له بألفي وخمس مائة دينار مكتوباً عليها القرآن كلّه، واحتفى ومشى في جنازته متسلّباً20مشقوق الجيب إلى مقابر قريش فدفنه عليه السلام هناك21 ، ويقال: إنّه دفن بقيوده وإنّه أوصى بذلك22 ، وإنّ تلك البقعة كان قد ابتاعها لنفسه قبل وفاته23.

أَبْكِي لِنَعْشِكَ وَالأَبْصَارُ تَرْمُقُهُ
أَبْكِيكَ مَا بَيْنَ حَمَّالِينَ أَرْبَعَةٍ

مُلْقىً عَلَى الجِسْرِ لَا يَدْنُو لَهُ أَحَدُ
تُشَالُ جَهْراً وَكُلُّ النَّاسِ قَدْ شَهِدُوا

*كاظم الغيظ، سلسلة مجالس العترة، نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


1- القرشيّ باقر شريف: حياة الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام ج 2 ص 486- 487.
2- البحرانّي: عوالم الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام ص 458.
3- الصدوق: عيون أخبار الرضا عليه السلام ج 1 ص 88.
4- القطب الراونديّ: الخرائج والجرائح ج 1 ص 325.
5- المجلسيّ: بحار الأنوار ج 48 ص 247.
6- المفيد: الإرشاد ج 2 ص 242.
7- المجلسيّ: بحار الأنوار ج 48 ص 223- 224، والصدوق: عيون أخبار الرضا عليه السلام ج 1 ص 95.
8- المجلسيّ: بحار الأنوار ج 48 ص 247- 248.
9- ابن شهرآشوب: مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 328.
10- الصدوق: عيون أخبار الرضا عليه السلام ج 1 ص 99.
11- الظاهر أنّ مراده عليه السلام الأخذ من التربة لأكلها استشفاءً بها والله العالم.
12- المجلسيّ: بحار الأنوار ج 48 ص 223- 224، والصدوق: عيون أخبار الرضا عليه السلام ج 1 ص 94- 95.
13- ابن عنبة: عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب ص 177.
14- الأصفهانيّ: مقاتل الطالبيّين ص 417.
15- المجلسيّ: بحار الأنوار ج 48 ص 223- 224، والصدوق: عيون أخبار الرضا عليه السلام ج 1 ص 94- 95.
16- المفيد: الإرشاد ج 2 ص 242.
17- القرشيّ الشيخ باقر شريف: حياة الإمام الرضا عليه السلام ج 1 ص 90.
18- الصدوق: كمال الدين وتمام النعمة ص 38.
19- ابن عنبة: عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب ص 177.
20- أي خلع لباس الزينة ولبس أثواب المصيبة.
21- الصدوق: عيون أخبار الرضا عليه السلام ج 1 ص 93 و96.
22- النوريّ المحدّث الشيخ حسين: مستدرك الوسائل ج 2 ص485، عن الشيخ النوبختيّ في كتاب الفرق.
23- الطبريّ الإماميّ ابن رستم: دلائل الإمامة ص 306.

01-04-2013 عدد القراءات 1063



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا