23 تشرين الثاني 2017 الموافق لـ 04 ربيع الأول 1439هـ
En FR

النبي وأهل البيت :: الحياة السياسية

مشكلة الإمام الصادق عليه السلام والسلطة الحاكمة بعده



دعوى الإمامة بعد الإمام الصادق عليه السلام
إنّ الاختلافات الّتي ظهرت بين الشيعة كانت تنشأ عادة نتيجة تعيين الإمام اللّاحق, فالظروف السياسيّة كانت تحتّم أحياناً - وخاصّة بسبب الخوف من السلطات العبّاسيّة - بقاء شخص الإمام مجهولاً بالنسبة للكثير من شيعته، إذ إنّ ظهور إمامة أحد الأئمّة علناً على الملأ قد يعرّض الشيعة وإمامهم لضغط شديد من قبل الخلفاء.

وقد أدّى الكبت الّذي فرضه المنصور على العلويّين - ولا سيّما سيّدهم الإمام الصادق عليه السلام الّذي أحرز مقاماً سامياً في المجتمع - إلى حصول حالة من الاضطراب بين بعض الشيعة حول الزعامة الآتية. وقد ضاعف من قلق الشيعة قيام بعض أبناء الإمام الصادق عليه السلام - الّذين ادّعوا الإمامة زوراً - بالدعوة إلى أنفسهم واستقطاب بعض الشيعة حولهم. وقد مرّ معنا كيف أنّ الإمام الصادق عليه السلام عمد إلى التمويه على وصيّه فجعل المنصور العبّاسيّ - إضافة إلى ولديه الإمام الكاظم عليه السلام وعبد الله - وصيّاً له أيضاً.

فقد اتّبع الإمام الصادق عليه السلام سياسة حكيمة في تعيين وصيّه الإمام الكاظم عليه السلام وهذا ما أدّى إلى انفراط عقد الدعاوى الباطلة لإمامة بعض الأشخاص من قبل الفِرق الضالّة. وفي الإجراء الّذي قام به الإمام الصادق عليه السلام ووصيّته لخمسة أشخاص من بعده يظهر لنا مدى مراقبة المنصور لحركة أهل البيت عليهم السلام، ومدى دقّة الإمام الصادق عليه السلام وإدراكه لسياسة المنصور والحزب العبّاسيّ الحاكم، ومستوى التربية العلميّّة والإيمانيّة من قبل الإمام الصادق عليه السلام لصحابته وخاصّة شيعته بحيث استطاع أن يرشدهم إلى الحقيقة المستترة وراء هذه الوصيّة.

ولبيان واقع الحال وانقسام الأمّة بعد الإمام الصادق عليه السلام، وارتباكها في تشخيص الإمام، ننقل ما ذكره النوبختيّ في فرق الشيعة حول انقسام الشيعة1 إلى ستّ فرق بعد الإمام الصادق عليه السلام، وكانت كما يلي:
1ـ الناووسيّة: وهم القائلون بمهدويّة الإمام الصادق عليه السلام (وبالتالي عدم وجود إمام بعده).
2ـ الإسماعيليّة الخالصة: الّذين يصرّون على أنّ إسماعيل لا زال حيّاً.
3ـ المباركيّة: وهم الّذين يعتقدون بإمامة محمّد بن إسماعيل.
4ـ السمطيّة: وهم المعتقدون بإمامة محمّد بن جعفر المعروف بالديباجة.
5ـ الفطحيّة: وهم الّذين كانوا يعتقدون بإمامة عبد الله الأفطح ابن الإمام الصادق عليه السلام.
6ـ وبقيت فرقة أخرى: اعتقدت بإمامة موسى بن جعفر عليهما السلام.

عبد الله الأفطح ودعوى الإمامة

من المشاكل الّتي كانت تهدف لتمزيق الطائفة الشيعيّة وإثارة البلبلة والتخريب في صفوفها: التشكيك في مسألة القيادة بعد الإمام الصادق عليه السلام، فقد ادّعى الإمامة (عبد الله الأفطح) وهو الأخ الأكبر للإمام الكاظم عليه السلام بعد إسماعيل. وهذا بطبيعة الحال يُضيف معاناة أخرى للإمام، لأنّ أجهزة المنصور العدائيّة كانت تَعدّ عليه الأنفاس، وتشكّ في أيّ حركةٍ تصدر عنه في مجال تصدّيه للإمامة2.

وفي مواجهة هذا الإدّعاء استخدم الإمام عليه السلام أسلوب المعجزة الّتي تميّزه عن عبد الله باعتباره إماماً مفترض الطاعة وذلك أمام جمع من خواصّ الشيعة مثبتاً بهذا الأسلوب لإمامته.

ويعلّل الكشّيّ سبب ذهاب الشيعة إلى القول بإمامة عبد الله الأفطح ابن الإمام الصادق عليه السلام بما روي عن الأئمّة عليهم السلام: "الإمامة في الأكبر من ولد الإمام إذا مضى". ثمّ إنّ منهم من رجع عن القول بإمامته لمّا امتحنه بمسائل من الحلال والحرام ولم يكن عنده فيها جواب3.

الفرق الضالّة والخطّ البديل لأهل البيت عليهم السلام

من الأساليب الّتي استخدمتها السلطات العبّاسيّة للتعتيم على مرجعيّة أهل البيت عليهم السلام، وتضعيف دورهم العلميّ والفكريّ سياسة خلق البدائل العلميّة وتقويتها من خلال دعم السلطة له, لتغطّي الفراغ الحاصل من عزل أهل البيت عليهم السلام وتؤيّد السياسة الحاكمة، فتوحي للأمّة بأنّه الخليفة على الخطّ الإسلاميّ وعلى نهج النبوّة. فالمنصور وجد (مالك بن أنس) ممّن تجاوب مع سياسته، وهذا ما دفع بالمنصور إلى أن يفرض كتاب مالك (الموطّأ) على الناس بالسيف ثمّ جعل لمالك السلطة في الحجاز على الولاة وجميع موظّفي الدولة، فازدحم الناس على بابه وهابته الولاة والحكّام.

وحينما وفد الشافعيّ إلى مالك وتشفّع بالوالي لكي يسهّل له أمر الدخول عليه، قال له الوالي: لئن أمشي من المدينة إلى مكّة حافياً راجلاً أهون عليّ من أن أمشي إلى باب مالك. ولست أرى الذلّ حتّى أقف على بابه4.

ثمّ إنّ الفرق الضّالة تنوّعت وانتشرت واستفحلت في عصر الإمام الكاظم عليه السلام، فبعضها كان يتحدّى الإسلام كمبدأ الزنادقة وبعضها كان ينتهي إلى مسخ العقيدة الإسلاميّة كالغلوّ والإرجاء والجبر.
وقد وجدت هذه الفرق جوّاً مساعداً للانتشار. وكلّها كانت تخدم الجهاز الحاكم بشكل أو آخر. ومن هنا كان الحكّام يسمحون لها بالتحرّك والنشاط.

الإمام الكاظم عليه السلام والعقائد المنحرفة عن أهل البيت‏ عليهم السلام

كان ترك الامتثال للنصّ الإلهيّ على إمامة عليّ بن أبي طالب عليه السلام بداية للاختلافات اللاحقة الّتي حدثت في صفوف المسلمين. وقد طُرح الكثير من الآراء الّتي كانت تؤدّي بشكلٍ طبيعيّ إلى إثارة الاختلافات من قبل أصحاب السلطة، ومن ذلك مسألة إرث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ومسألة قتال مانعي الزكاة5.
وقد أدّى منع تدوين الحديث ونقله وتسرّب الثقافة اليهودية إلى أوساط المسلمين والتفسير المنحرف للدِّين إلى توطيد أركان الحكم الأمويّ الفاسد، وإزاحة أهل البيت عليهم السلام عن الزعامة السياسيّة.

وفي نهاية القرن الأوّل وحلول القرن الثاني الهجريّ، برزت إلى الوجود فرق دينيّة كان من أهمّها الخوارج والمرجئة والجهميّة والمعتزلة. وكان عامّة الناس على نهج ملوكهم وولاتهم ببحثون عن دين ينشره أمثال ابن شهاب الزهريّ، ومن قبله عروة بن الزبير، ومن قبله أبو هريرة، وسمرة بن جندب. إذ كان هؤلاء يعتقدون بوجوب إغواء الناس بواسطة الحديث، لأنّ الحديث كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ووضعه أمر سهل. ولهذا اتّسعت دائرة نقل الحديث بسرعة. وعلى الرغم ممّا أعلنه بعض أئمّة أهل السنّة من عدم تجاوز أحاديث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عن بضع مئات6 فنحن نرى أن عددها تجاوز في أواسط القرن الثاني عشرات الآلاف، ثمّ تجاوز بعد مدّة يسيرة مئات الآلاف. وكانت أكثر الأحاديث الموضوعة في مجالَي الفقه والمسائل الكلاميّة.

وهكذا وُجد (مذهب أهل الحديث)، الّذين اعتبروا من سواهم خارجاً عن الدِّين وهو المذهب الّذي ألّف الجاحظ كتاباً في تأييده ومساندته وأطلق عليه اسم "العثمانيّة" (حيث إنّ اسمه عثمان ولقّب بالجاحظ لجحوظ عينيه).
وكان أحد أوجه النشاط المتواصل لأئمّة الشيعة عليهم السلام هو التصدّي لهذه الأحاديث أو بعبارة أخرى لـ (أهل الحديث)، فكانوا يكشفون عن الأحاديث المحرّفة والموضوعة، وينبّهون في مواقف أخرى إلى عدم صحّة فهم الناس الساذج والسطحيّ لتفسير بعض الآيات المتشابهة والأحاديث.

ونحن نشير هنا إلى عدد من المواقف الفكريّّة الّتي تخلّلت حياة الإمام الكاظم عليه السلام:
1- من الروايات الّتي تمسّك بها أهل الحديث وأكثروا من تناقلها، حديث (نزول الله إلى السماء الدنيا). فعن أبي هريرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال - نعوذ بالله من ذلك -: "يتنزّل ربّنا تبارك وتعالى كلّ ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له"7. وقبول هذه الرواية يستلزم الاعتقاد بالتشبيه والقبول بتنقّل الله من مكانٍ لآخر- تعالى الله عن ذلك- وعمل أهل الحديث على نشر هذه العقيدة (وعلى رأسهم أحمد بن حنبل).

إنّ هذه الروايات لم توضع في زمن أحمد بن حنبل، بل إنّ الكثير منها كان متداولاً قبل ذلك بين الناس. ولهذا السبب نرى أصحاب الأئمّة كثيراً ما يسألون الأئمّة عن هذه الأحاديث، فقد سُئل الإمام الكاظم عليه السلام عن الحديث الموضوع حول نزول الله تعالى، فقال عليه السلام: "... إنّ الله لا ينزل ولا يحتاج إلى أن ينزل إنّما منظره في القرب والبعد سواء، لم يبعد منه قريب، ولم يقرب إلى من يحرّكه أو يتحرّك به، فمن ظنّ بالله الظنون هلك. فاحذروا في صفاته من أن تقفوا له على حدّ تحدّونه بنقص، أو زيادة، أو تحرّك..."8.

2- والمورد الآخر الّذي كان يتمسّك أهل الحديث بظاهره هو آية: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾9. فهؤلاء وبسبب عدم التفاتهم إلى سائر الآيات، وعدم استخدامهم للاستدلال والتعقّل، اعتقدوا وبشدّة بنوع من الرؤية الظاهرية. ولما كان لديهم عدد من الأحاديث في باب التشبيه، فقد كان من الطبيعيّ أن يفسّروا نظير هذه الآيات على ضوء تلك الأحاديث.

وقد سُئل الإمام الكاظم عليه السلام عن معنى هذه الآية فأجاب: "... استولى على ما دقّ وجلّ "10. وورد العديد من الروايات المنقولة في تفسير البرهان عن الأئمّة عليهم السلاموهي كانت إجابات لتساؤلات أصحابهم أو أنّها كانت ردّاً على أهل الجدل.

3- وفي جانب الجبر والتفويض التزم أهل الحديث بمذهب الجبريّة وكانوا يُظهرون تزمّتاً شديداً لهذه الفكرة في مقابل التطرّف الّذي كان يبديه أهل المعتزلة.
وعقيدة الجبر لها جذور في الجاهليّة، وبعد ظهور الإسلام نشرها معاوية وأمثاله، لأنّ هذا الاعتقاد يُعين الخلفاء على توطيد دعائم حكمهم ويبرّر لهم أخطاءهم، كما يردع الناس عن معارضتهم أو الاعتراض عليهم. وتمسّك أهل الحديث ببعض الآيات والروايات لإثبات صحّة معتقدهم.

وعندما سُئل الإمام الكاظم عليه السلام عن رواية تمسّك بها أهل الحديث لإثبات معتقدهم أجابكما في رواية الفضل بن شاذان الّذي قال: سألت أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السلام عن معنى قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "الشقيّ من شقي في بطن أمّه والسعيد من سعد في بطن أمّه" فقال عليه السلام: "الشقيّ من علم الله وهو في بطن أمّه أنّه سيعمل أعمال الأشقياء والسعيد من علم الله وهو في بطن أمّه أنّه سيعمل أعمال السعداء"11.
هذا بالإضافة إلى غيرها من الروايات الواردة عنه عليه السلام، وفيها يوضح بطلان هذه النظرية، وإثبات نظريّة الأمر بين الأمرين.

4- ومن الأمثلة الأخرى على الانحراف العقائديّ لدى المجتمع عقيدة المرجئة عن الإيمان وماهيته. فالمرجئة كانوا يعتقدون - ولأسباب قد تكون سياسيّة - بأنّ الإيمان هو مجرّد تصديق ذهنيّ لا علاقة له بالعمل، كما لا يؤثّر العمل في تقويته أو إضعافه.

وهذا الاعتقاد يعني أنّ الإنسان المسلم يبقى مؤمناً حتّى إذا ارتكب أقبح الذنوب وخالف الشريعة.

وأمّا أئمّة الشيعة عليهم السلام فإنّهم كانوا يؤكّدون ومنذ البداية على الجوانب الذهنيّة والقلبيّة والعمليّة للإيمان. وقد تصدّى الإمام الكاظم عليه السلام لمثل هذا الاعتقاد الخاطئ وفنّده، فعندما سُئل في هذا الصدد قال: "إنّ للإيمان حالات ودرجات وطبقات ومنازل، فمنه التامّ المنتهي تمامه، ومنه الناقص المنتهي نقصانه، ومنه الزائد الراجح زيادته"12.

وفي نفس الوقت ينبغي القول إنّ أئمّة الشيعة - ومن الناحية الكلاميّة - يعتقدون أنّ الإنسان المؤمن بالله ورسوله يبقى مسلماً وإن ارتكب فسقاً، ولا ينقض ذلك إلّا إذا أنكر ضروريّاً من ضروريّات الإسلام.

الإمام الكاظم عليه السلام ما بين خلافة المنصور إلى الهادي‏

اقترنت إمامة الكاظم عليه السلام بخلافة المنصور (المتوفّى 158هـ) والمهديّّ (المتوفّى 169هـ) والهادي (المتوفّى 170هـ) واستمرّت إلى زمان هارون الرشيد.

في عصر المنصور قام الإمام عليه السلام ببعض الأنشطة وفقاً لمقتضيات المصلحة ومتطلّبات المرحلة. وكان على رأس هذه الأعمال التصدّي لإثبات إمامته من خلال إبرازه للقدرات الغيبيّة الّتي زوّده الله بها، لأنّ الجوّ العامّ لم يُساعد على تداول النصّ الخاصّ بالوصيّة إليه دون غيره. ثمّ إنّه ونظراً للخواء الروحيّ الناتج عن الانكباب على الحياة الماديّة وإشباع الغرائز بشكلٍ مفرط، والّذي طغى على الحياة في تلك المرحلة الزمنية بحيث إنّ المنكرات شاعت وانتشرت، فإنّ الإمام عليه السلام استطاع من خلال اهتمامه بالجانب المعنويّ والعباديّ أن يغيّر الواقع المنحرف ويخلق شخصيّّات تتميّز بهذا الاتجاه المعنويّ والروحيّ وتكون ذات تأثير إيجابيّ في المجتمع.

ولمّا مات المنصور في سنة 158هـ استولى على الخلافة ابنه محمّد المهديّّ وبويع له في تلك السنة. وحاول المهديّّ في بداية أمره أن يسلك أسلوباً مرناً مع العلويّين خلافاً لسياسة أبيه محاولاً بذلك تضليل الناس فأصدر عفواً عامّاً عن جميع المسجونين، كما ردّ الأموال الّتي صادرها أبوه ظلماً وعدواناً، وردّ على الإمام الكاظم عليه السلام ما كان صادره أبوه من أموال الإمام الصادق عليه السلام. إلّا أنّ الإمام الكاظم عليه السلام كشف عن حقيقته عندما طالبه بإرجاع فدكٍ إليه بعد أن بيّن الإمام حدود فدك بقوله: "حدّ منها جبل أحد، وحدّ منها عريش مصر، وحدّ منها سيف البحر، وحدّ منها دومة الجندل"13. وبهذا أعلن الإمام عليه السلام أنّ جميع أقاليم العالم الإسلاميّ قد أُخذت منهم وأنّ فدكَ هي رمز لاستحقاق أهل البيت لمنصب الخلافة.

وبعد أن ذاع صيت الإمام الكاظم عليه السلام ونشاطاته، استخدم المهديّّ سياسة التشدّد والتضييق عليه عليه السلام فاستدعاه إلى بغداد وحبسه في أحد سجونها ثمّ ردّه إلى المدينة، كما خطّط لقتله.
وشجّع المهديّّ العبّاسيّ الوضّاعين في زمنه حتّى قاموا بدورٍ إعلاميّ تضليليّ منحرف، فأحاطوا السلاطين بهالة من التقديس زاعمين أنّهم يمثّلون إرادة الله في الأرض وأنّ الخطأ لا يمسّهم.

وأسرف المهديّّ في صرف الأموال الضخمة للانتقاص من العلويّين والحطّ من شأنهم فتحرّك الشعراء والمنتفعون، وأخذوا يلفّقون الأكاذيب في هجاء العلويين. وشاع في عصر المهديّّ اللهو وانتشر المجون وسادت الميوعة والتحلّل.

استغلّ الإمام عليه السلام فرصة انشغال الحاكم بأموره الخاصّة ليقوم بنشاط عامّ على مستوى الأمّة. وكان العقد الثاني من عصر الإمام الكاظم عليه السلام - المنطبق على السنوات العشر الّتي حكم فيها المهديّّ - هو قمّة النشاط المكثّف للإمام عليه السلام. وأصبح له حضور فاعل في الساحة السياسيّة، وسمح لمجموعة من أصحابه أن يلتزموا بالحضور في الجهاز الإداريّ للدولة على الرغم من تحريمه التعامل والتعاون مع الجهاز الحاكم على عامّة شيعته ومواليه. وكان الإمام عليه السلام يهدف من ذلك إلى عدّة أمور ولتحقيق عدّة نتائج، منها:

الأوّل: الاقتراب من أعلى موقع سياسيّ، من أجل الإحاطة بالمعلومات السياسيّة وغيرها الّتي تصدر عن الحاكم.
الثاني: تحقيق مهمّة كبرى هي قضاء حوائج المؤمنين الشخصيّّة من أجل الحفاظ على عوامل بقاء واستمرار الوجود الشيعيّ. وهذا كلّه كان مقروناً بالتثقيف السياسيّ لشيعته بحرمة التعامل مع الظالمين.
ومن هنا نلاحظ تبرّم عليّ بن يقطين وإصراره على ترك العمل لدى السلطان الظالم.

قال عليّ بن طاهر: استأذن عليّ بن يقطين مولاي الكاظم عليه السلام في ترك عمل السلطان، فلم يأذن له، وقال عليه السلام: "لا تفعل فإنّ لنا بك أُنساً، ولإخوانك بك عزّاً، وعسى أن يجبر بك كسراً، ويكسر بك نائرة المخالفين عن أوليائه.

يا عليّ: كفّارة أعمالكم الإحسان إلى إخوانكم. اضمن لي واحدة وأضمن لك ثلاثة: اضمن لي أن لا تلقى أحداً من أوليائنا إلّا قضيت حاجته وأكرمته، وأضمن لك أن لا يظلّك سقف سجن أبداً، ولا ينالك حدّ سيف أبداً، ولا يدخل الفقر بيتك أبداً.

يا عليّ: من سرّ مؤمناً فبالله بدأ، وبالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ثنّى وبنا ثلّث"14.

وبعد وفاة المهديّّ العبّاسيّ استولى على كرسيّ الخلافة موسى الهادي (ولده) سنة 169هـ، وتوفّي بعد ثلاثة عشر شهراً في ربيع الأوّل سنة 170هـ. وكان عمره ستّاً وعشرين سنة15.

وعلى الرغم من قصر المدّة الّتي حكم فيها الهادي إلّا أنّها تركت آثاراً سيّئة على الشيعة وتميّزت بحدث مهّم في تاريخهم، وهو واقعة فخّ الّتي قال عنها الإمام الجواد عليه السلام: "لم يكن لنا بعد الطفّ مصرع أعظم من فخّ"16.

أمّا الأسباب والنتائج لهذه الواقعة فهو ما سيكون موضوع البحث في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.

الخلاصة
- ظهرت على مسرح الأحداث بعد شهادة الإمام الصادق عليه السلام مشاكل عديدة في داخل الصفّ الموالي لأهل البيت عليهم السلام وأبرز هذه المشاكل هو الادّعاءات الّتي انطلق من خلالها بعض الناس لحرف مسار الإمامة عن صاحبها الحقيقيّ وهو الإمام الكاظم عليه السلام.

- انقسمت الأمّة في تشخيص الإمام بعد شهادة الإمام الصادق عليه السلام فظهرت بعض الفرق مثل الناووسيّة والإسماعيليّة والمباركيّة والسمطيّة والفطحيّة.
- استخدمت السلطات العبّاسيّة بعض الأساليب للتعتيم على إمامة ومرجعية أهل البيت عليهم السلام، وعملت على تقوية بعض القوى الضالّة والمنحرفة.

- تصدّى الإمام الكاظم عليه السلام من خلال نشاطه الفكريّ لأصحاب العقائد المنحرفة المتمثّلة بأهل الحديث الّذين أرسوا قواعد التشبيه والتجسيم عبر تمسّكهم بالظواهر.
- عاصر الإمام الكاظم عليه السلام خلافة المنصور العبّاسيّ ثمّ المهديّّ الّذي شاعت في عصره المنكرات والاهتمام بشؤون الدنيا فاستغلّ الإمام الفرصة لنشر الوعي والثقافة في أوساط شيعته.

- عمل الإمام عليه السلام على الاقتراب من المواقع السياسيّة الحاكمة من خلال بعض أصحابه، وذلك بهدف قضاء حوائج المؤمنين ودفع البلاء والأذى عنهم.

* بحوث في الحياة السياسية لأهل البيت عليهم السلام, سلسلة المعارف الإسلامية , نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


1- فرق الشيعة، أبو محمّد الحسن بن موسى النوبختي، تعليق محمّد صادق بحر العلوم: 77 ـ 78. منشورات مكتبة الفقيه، قم، 1388هـ ـ 1969م.
2- الكافي، م.س: 1/285.
3- راجع: معجم رجال الحديث، السيّد الخوئي قدس سره: 11/154.
4- الإمام الصادق والمذاهب الأربعة، م. س: 3/180 ـ 181.
5- الملل والنحل، م.س: 1/31.
6- راجع مقدّمة ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون: عبد الرحمن بن خلدون المغربي: 44. دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط 4.
7- صحيح البخاري، م. س: 4/101.
8- الكافي، م.س: 1/125.
9- سورة طه، الآية: 5.
10- الإحتجاج، م.س: 2/157. .
11- التوحيد، محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّي: 356. منشورات جماعة المدرّسين في الحوزة العلميّة، قم.
12- الكافي، م.س: 2/38.
13- بحار الأنوار،م.س: 48/156، والكافي، م.س: 1/543.
14- بحار الأنوار، م.س: 48/136.
15- تاريخ اليعقوبي، م.س: 2/401 ـ 407.
16- بحار الأنوار، م.س: 48/165.

01-04-2013 عدد القراءات 2517



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا