16 كانون الأول 2018 م الموافق لـ 08 ربيع الثاني 1440 هـ
En FR

النبي وأهل البيت :: الحياة السياسية

الإمام الحسن عليه السلام في كلام الولي دام ظله



الإمام الحسن المجتبى عليه السلام-أعظم هدنة في التاريخ

الظروف التاريخية للصلح


إنّ عهد الإمام المجتبى عليه السلام وواقعة صلحه مع معاوية - ما سمّي بالصلح - حدثٌ مصيريّ، وفريدٌ على مدى مسيرة النهضة الإسلامية في الصّدر الأوّل، فنحن لم نشهد نظيراً لهذه الواقعة. وهنا أقدّم إيضاحاً مقتضباً لهذه العبارة ثمّ أدخل إلى أصل المطلب.

إنّ ثورة الإسلام بما تمثّله من الفكر الإسلاميّ، والأمانة الّتي تحمل عنوان الإسلام والّتي أرسلها الله سبحانه إلى العالمين، كانت في عهدها الأوّل عبارة عن نهضة واحدة، وتحرّك واحد، جاء في إطار حركة جهادية ونهضة ثورية عملاقة. وما إن أعلن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن هذا الفكر في مكّة حتّى حشد أعداء الفكر التوحيديّ وأعداء الإسلام صفوفهم للوقوف بوجهه والحيلولة دون أن يشقّ هذا الفكر طريقه، فعمد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى تنظيم هذه النهضة بتعبئة قواه من العناصر المؤمنة صانعاً ملحمة جهاديّة في غاية الفطنة والقوّة والتقدّم داخل مكّة استمرّت إحدى عشرة سنة، فكانت تلك المرحلة الأولى.

وبعد ثلاث عشرة سنة، ومن خلال تعاليم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، والشعارات الّتي رفعها والتنظيم الّذي اعتمده والتضحيات الّتي بُذلت، وعبر ما تجمّع من عناصر على اختلافها، تحوّل هذا الفكر إلى حكومة ونظام، وتبدّل إلى نظام سياسيّ وحياتيّ لأمّة بأكملها، وكان ذلك عندما قدم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة وجعل منها قاعدة له وبسط فيها الحكومة الإسلامية، فتحوّل الإسلام من نهضة إلى حكومة، وهذه هي المرحلة الثانية.

استمرّت هذه المسيرة على مدى عشر سنوات من حياة النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، والفترة الّتي تلتها من عهد الخلفاء الأربعة، ومن ثمّ إلى زمان الإمام المجتبى عليه الصلاة والسلام وخلافته الّتي استمرّت ما يناهز ستّة أشهر، برز خلالها الإسلام على شكل حكومة، وكان كلّ شيء يتّخذ هيئة النظام الاجتماعيّ من الحكومة إلى الجيش إلى العمل السياسيّ والثقافيّ والقضائيّ وتنظيم العلاقات الاقتصادية للأمّة مع قابليّته للاتّساع. ولو قدّر له أن يمضي قُدُماً لكان قد عمّ المعمورة بأكملها، أي أنّ الإسلام أثبت قابليته تلك.

لقد تنامى التيّار المعارض في زمن الإمام الحسن عليه السلام بحيث استطاع البروز كواحد من العراقيل. ولم يكن هذا التيّار - بطبيعة الحالة - قد برز في عهد الإمام المجتبى عليه السلام ، بل كان تبلوره خلال سنوات سبقت ذلك. ومن شاء التحدّث بعيداً شيئاً ما عن الجوانب العقائدية، وأن يستند إلى الشواهد التاريخية فقط، فلعلّه يستطيع الادّعاء أنّ هذا التيّار لم يظهر إلى الوجود حتّى في العهد الإسلاميّ أيضاً، بل كان استمراراً لما شهدته مرحلة نهضة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، أي مرحلة مكّة. فبعد أن وقعت الخلافة في عهد عثمان - الّذي كان من بني أميّة - في قبضة الأمويين، كان أبو سفيان - وكان أعمى يومها - جالساً بين قومه، فسأل: من هم الحاضرون؟ فجاءه الرّد: فلانٌ وفلانٌ وفلان، فلما اطمأنّ بأنّ الحاضرين جميعاً من قومه وليس فيهم غريب، خاطبهم قائلاً: "تلقّفوها تلقّف الصبية للكرة"1، أي تناولوا الحكومة كتناول الكرة ولا تدعوها تفلت منكم. وهذه الحادثة تناقلتها تواريخ السنّة والشيعة. وهذه ليست مسألة عقائدية، ونحن لا نتناولها وفق رؤية عقائدية، ولا أحبّذ أن أتناولها من خلال هذه الرؤية، بل إنّني أثيرها من بعدها التاريخيّ فقط.

 حينها كان أبو سفيان مسلماً. غاية الأمر أنّ إسلامه كان بعد الفتح، عندما لم يكن الإسلام يعيش زمن الغربة والضعف، فكان إسلامه بعد بلوغ الإسلام أوج قدرته. فكان أن بلغ هذا التيّار ذروته في عهد الإمام الحسن المجتبى عليه السلام وبرز متجسّداً بمعاوية بن أبي سفيان وهو يقف بوجه الإمام الحسن المجتبى عليه السلام . فباشر هذا التيّار معارضته سادّاً الطريق بوجه الحكومة الإسلامية - أي الإسلام بطابعه الحكوميّ - مفتعلاً المشاكل حتّى تحوّل إلى عائق أمام تقدّم تيّار الحكومة الإسلامية عمليّاً.

لقد ذكرنا مراراً فيما يتعلّق بصلح الإمام الحسن عليه السلام ، وما نصّت عليه المصنّفات والكتب أيضاً، عدم قدرة من كان في نفس موقف الإمام الحسن المجتبى عليه السلام وفي مثل ظروفه، حتّى أمير المؤمنين عليه السلام نفسه، إلّا القيام بمثل ما قام به الإمام الحسن عليه السلام . ولا قدرة لأحد أبداً على القول إنّ الجانب الفلانيّ من عمل الإمام عليه السلام مثارٌ للتشكيك. كلا، ففعله عليه السلام كان مطابقاً للاستدلال المنطقيّ الّذي لا يقبل التخلّف.

من هو الأكثر ثوريّة من بين آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ ومن الّذي فاقهم في اصطباغ حياته بصبغة الشهادة وفاقهم حميّة للمحافظة على الدين ومواجهة العدوّ؟ إنّه الحسين بن عليّ عليه السلام ، وهو عليه السلام شارك الإمام الحسن عليه السلام في هذا الصلح، فلم يعقد الإمام الحسن الصلح وحده بل عقداه معاً، غاية الأمر أنّ الإمام الحسن عليه السلام كان المتقدّم يتبعه الإمام الحسين في ذلك. كان الإمام الحسين عليه السلام أحد الذائدين عن مبدأ صلح الإمام الحسن عليه السلام . وعندما بدر اعتراض من أحد الأنصار المقرّبين - من هؤلاء المتحمّسين الثائرين - على ما فعله الإمام الحسن المجتبى عليه السلام ، ردّ عليه الإمام الحسين عليه السلام ، "وغمز الحسين حُجر"2، وليس هنالك من يقول: لو كان الإمام الحسين مكان الإمام الحسن لما وقّع الصلح، كلا، فلقد كان الإمام الحسين إلى جانب الإمام الحسن ووقّع الصلح، ولو لم يكن الإمام الحسن عليه السلام وكان الإمام الحسين عليه السلام وحيداً في تلك الظروف لحدث ما حدث ووقع الصلح.

ضرورة الهدنة والصلح

لقد كانت للصلح عوامله، ولم يكن بالإمكان تفاديه، فلا مناص منه. يومها لم تكن فكرة شهادة الإمام أمراً ممكناً. ويثبت المرحوم الشيخ راضي آل ياسين، رضوان الله تعالى عليه، في كتابه "صلح الحسن"، تعذّر الشهادة إذ ذاك - وقد ترجمت هذا الكتاب قبل عشرين عاماً (1348) وجرى طبعه - فليس كلّ قتلٍ شهادة، بل الشهادة قتل بشروط، ولم تكن تلك الشروط متوفّرة حينها. ولو قُدّر للإمام الحسن عليه السلام القتل يومذاك لما مات شهيداً، فقد كان متعذّراً على أيّ أحد القيام بتحرّك مضمون المصلحة في تلك الظروف فيُقتل شهيداً إلّا أن ينتحر.

تحدّثنا عن الصلح بأبعاده المختلفة. والقضية الّتي تبلورت الآن هي أنّ الأمر جرى تنظيمه بعد صلح الإمام الحسن المجتبى عليه السلام بذكاء وفطنة بحيث لا يلج الإسلام والنهضة الإسلامية نفق الخلافة بما تحمله من مواصفات الملكية، وهذا ما أبدعه الإمام الحسن المجتبى عليه السلام . وقد قام هذا الإمام بعملٍ جعل تيّار الإسلام الأصيل - الّذي انطلق من مكّة وتبلور بشكل حكومة إسلامية امتدّت حتّى عهد أمير المؤمنين عليه السلام ومن ثمّ عهده - يسير في مجرًى آخر. غاية الأمر أنّه لم يكن بصبغة حكومية لتعذّر ذلك بل كان على هيئة نهضة ثوريّة جديدة، فكانت تلك المرحلة الثالثة في العصر الإسلاميّ. مرّةٌ أخرى، نهض الإسلام. الإسلام الأصيل، المقارع للظلم، الّذي لا يداهن، المنزّه عن التحريف والرافض لأن يتحوّل إلى ألعوبة تتقاذفها الأهواء والنزوات، لكنّه ظلّ متّخذاً طابع النهضة. أي أنّ الفكر الثوريّ الإسلاميّ عاد ثانيةً في عهد الإمام الحسن عليه السلام ليتحوّل إلى فكرٍ ثوريٍّ إسلاميّ بعد أن قطع شوطاً بلغ فيه مبلغ السلطة والحكم. ولقد أصبح وضع هذه المرحلة - مرحلة الثورة - أكثر تعقيداً من عهد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم نفسه، لأنّ الّذين رفعوا الشعارات كانوا ممّن تلبّسوا بزيّ الدين ولم يكونوا من أهله. وهنا تكمن المشكلة الّتي واجهها أئمّة الهدى عليهم السلام . ومن خلال مجمل الآيات وعموم حياة الأئمّة عليهم السلام استنتجت أنّهم عليهم السلام ومنذ صلح الإمام المجتبى عليه السلام وحتى النهاية كانوا بصدد تجديد هذه النهضة وإقامتها على هيئة حكومة علويّة إسلاميّة. وهناك روايات في هذا الصدد. ولعلّ بعض الناس لا يلاحظ هذه القضيّة بهذا المنظار وله منحىً آخر، لكن تشخيصي أنّ الأئمّة عليهم السلام قد سعوا من أجل تبديل النهضة إلى حكومة وتيّار إسلاميّ أصيل منزّه عن التلوّث والامتزاج بلوث الأهواء النفسية، ليمسك بزمام الأمور. بيد أن ذلك العمل كان عملاً صعباً.

الغاية من الصلح

إنّ أهم ما كانت الأمّة بحاجة إليه خلال المرحلة الثانية من النهضة - فترة خلافة بني أميّة وآل مروان وبني العبّاس - هو معرفتها وتشخيصها لمواطن الأصالة في الإسلام ومكامن الانبعاث الّتي ينطوي عليها الإسلام الأصيل والقرآنيّ، من بين طيّات التفسيرات المختلفة والمشتّتة، وأن لا يخلطوا بينها، فليس عبثاً هذا التأكيد في الأديان على التعقّل والتدبّر. وما ورد في القرآن الكريم من حثّ للناس على التفكّر والتعقّل والتدبّر فيما يتعلّق بأهمّ الموضوعات الدينية وهو التوحيد، ليس لهواً. فالتوحيد لا ينحصر في قولنا إنّ الله موجودٌ، وهو واحدٌ لا اثنين، بل هذه صورة من التوحيد. فحقيقة التوحيد بحرٌ مترامي الأطراف يغرق فيه أولياء الله، وهو وادٍ سحيق بالرغم من عمقه، فقد طُلب من المؤمنين والمسلمين الموحّدين السير فيه عن تفكّر وتدبّر وتعقّل. وفي الحقيقة، فإنّ العقل والتدبّر هو الّذي له القدرة على المضيّ بالإنسان إلى الأمام. وبطبيعة الحال، فإنّ هذا العقل إنّما يتغذّى ويستمدّ من نور الوحي والمعرفة ويستلهم من تعاليم أولياء الله على مراحل متعدّدة، لكنّه في خاتمة المطاف هو الّذي يتحرّك إلى الأمام ودونه لا مجال للحركة أبداً.

ما كانت الأمّة الإسلامية بحاجة لاستيعابه، على مرّ القرون الّتي تمّ التسلّط فيها عليها باسم الخلافة - أي حتى القرن السابع، فترة الخلافة العبّاسيّة، وبالطبع، بعد انهيار الخلافة العبّاسيّة، كانت تأتي حكومات من هنا وهناك تحكم باسم الخلافة، كزمن المماليك في مصر، وما تلاها كذلك في البلدان العثمانية وأماكن أخرى - هو أن يحكّموا العقل ليعرفوا ما إذا كانت رؤية الإسلام والقرآن والكتاب الإلهيّ والأحاديث المسلّمة بشأن أولياء الأمور تنسجم مع الواقع المعاش أم لا، فذلك أمر في غاية الأهمية.

لقد تميّزت فترة الخلافة المروانية والسفيانية والعبّاسية بإفراغ القيم الإسلامية من محتواها الحقيقيّ، إذ بقيت منها صورها لكنّ المضامين تبدّلت إلى مضامين جاهلية وشيطانية.

لقد تحوّل ذلك الجهاز الّذي كان يريد تربية وبناء أناس عقلاء متعبّدين مؤمنين أحرار طاهرين خشّعٍ لله أشدّاء أمام المستكبرين - وأفضل صورة ما كان سائداً من نظام إداريّ إسلاميّ في عهد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم - إلى جهاز يربّي الناس ويعلّمهم أصناف المكر ويجعلهم عبيداً للدنيا والأهواء والنزوات، متملّقين وخاوين من المعنويات، أناساً فارغين، ديدنهم الفسق والفساد.

وممّا يؤسف له أنّ الوضع كان هكذا على امتداد فترة الخلافة الأموية والعبّاسية. لقد سطّروا في كتب التاريخ أموراً، لو شئنا التطرّق إليها لطال بنا المقام، وكانت بدايتها في عهد معاوية، حيث امتدح المؤرّخون معاوية كثيراً بوصفه بالحلم وسعة الصدر وسماحه لمعارضيه بالتفوّه بما شاؤوا أمامه. ولعلّه كان كذلك لبرهة من الزمن وفي أوائل حكمه. ولكن هنالك أبعاد أخرى إلى جانب هذا البعد من شخصيّته، نادراً ما تطرّقوا إليه. فهناك الكثيرون ممّن لم يشيروا إلى طريقة استمالته للأفراد والأقطاب والأشراف من الرجال لكي يتنصّلوا ممّا يعتقدون ويؤمنون به، بل وتجنيدهم لمواجهة الحقّ. والكثيرون لم يكتبوا مثل هذه الأمور. وهذا - بطبيعة الحال - مدوّن في التاريخ، وثمّة أناس كتبوا ما نعرفه نحن الآن.

إنّ الناس الّذين كانوا يخضعون لتربية تلك الأجهزة، كانوا يدرجون على عدم التفوّه بما يخالف هوى الخليفة ورغبته، فيا له من مجتمع! ويا له من إنسان! وأين هي تلك الإرادة الإلهية والإسلامية الموجودة في الناس لإصلاح المفاسد وإزالتها وجعل المجتمع مجتمعاً إلهيّاً؟ فهل مثل هذا الشيء سيكون ممكناً؟

يروي "الجاحظ" أو "أبو الفرج الأصفهانيّ" أنّ معاوية توجّه إبان حكمه إلى مكّة راكباً فرساً، وكان إلى جانبه أحد الوجهاء يومها، ومعاوية منهمك في الحديث معه ويتبعهما آخرون. كان معاوية يحدّث هذا الرجل متفاخراً بأمجاده وأمجاد أبيه "أبي سفيان" في الجاهلية. وكانت مجموعة من الأطفال تلهو في الطريق، وعلى ما يبدو كانوا يلعبون بالأحجار. وفي تلك الأثناء أصاب حجرٌ جبهة ذلك الرجل المرافق لمعاوية فسالت الدماء منها لكنّه لم ينبس ببنت شفة ولم يقطع على معاوية حديثه، فأخذ يتصبّر بينما كانت الدماء تسيل على وجهه ولحيته. وفيما كان معاوية يسهب في الحديث، وإذ به يلتفت إلى صاحبه فيرى الدماء قد غطّت وجهه، فقال له: إنّ الدماء تسيل من جبهتك، فأجاب الرجل معاوية: أدماء تسيل من جبهتي؟! أين ومتى؟ فلشدّة انبهاره بمعاوية، تظاهر بعدم إحساسه بإصابة الحجر وجرحه وسيلان الدم من جبهته. فقال له معاوية: عجبٌ لك، أصاب الحجر جبهتك ولم تشعر به! فأجاب: كلا، لم أشعر به، ثمّ ضرب يديه وقال: واه، إنّه دمٌ! ثم أخذ يُقسم بنفس معاوية وبمقدّساته: لو لم تخبرني، لما شعرتُ بجريان الدماء لِما في كلامك من لذّة! فسأله معاوية: كم هو عطاؤك من بيت المال؟ فأجابه: كذا - على سبيل المثال - قال معاوية: لقد ظلموك، فلا بدّ أن يُزاد أضعافاً ثلاثة! هذه هي الثقافة الّتي كانت سائدة في الجهاز الحكوميّ لمعاوية.

في تلك الفترة كان المتزلّفون للزّعماء والخلفاء هم الممسكين بزمام الأمور، فلم تُقسّم الأعمال وفقاً للصلاح والكفاءة، وعادة العربيّ هي أن يولي بالغ اهتمامه بالأصل والنسب، حيث يتساءل: من أيّة عشيرة ينحدر فلانٌ؟ ومن هم آباؤه؟ بيد أن هؤلاء لم يكونوا يلتزمون بالأصول والأنساب أيضاً... وفي زمن عبد الملك وبعض أولاده، تمّ تنصيب يوسف بن عمر الثقفيّ والياً على العراق لفترات طويلة، وبقي يحكم العراق سنوات متمادية. وكان معقّداً شقياً. ومن نافل ما يُنقل عن عقدته أنّه كان قصير القامة، فكان عندما يعطي قطعة القماش للخيّاط كي يخيطها له، يسأل الخيّاط: هل تكفي هذه القطعة لقامتي؟ فكان الخيّاط ينظر إلى هذه القطعة من القماش وإذا قال مثلاً إنّها مناسبة لك أيها الأمير وربّما تزيد، كانوا يأخذون منه ذلك القماش فوراً ويأمرون بمعاقبته. فأدرك الخيّاطون القضيّة، من هنا عندما كان يعرض عليهم قطعة القماش ويسألهم ما إذا كانت تكفي لهيكله أم لا، كانوا يردّون: كلا، يبدو أنّها لا تكفي ويلزمنا كثير من الجهد لكي نجعلها تتّسق مع بدنك الضخم. فكان يسرّه ذلك، رُغم علمه بكذب الخيّاط! لقد كان أحمق إلى هذا الحدّ! إنه ذلك الرجل الّذي قتل زيد بن علي عليه السلام في الكوفة. فمثل هذا، تسلّط على نفوس الناس وأموالهم وأعراضهم سنوات عديدة، لا لأصل أو نسب ولا علمٍ أو قابلية ولكن لقربه من قطب السلطة عُيّن لهذا المنصب، وهذا وبال، ومن أعظم الآفات الّتي تفتك بأيّ نظام.

الثمار العظيمة للصلح

استمرّ هذا التيّار على هذا المنوال، فيما كان يسير إلى جانبه تيّار إسلاميّ أصيل هو إسلام القيم والقرآن الّذي لا يعرف المهادنة مع ذلك التيّار الحاكم المنافي للقيم، ومصداقه البارز أئمّة الهدى عليهم السلام والكثير من المسلمين الموالين لهم. وبفضل وجود الإمام الحسن المجتبى عليه السلام ، حافظ هذا التيّار القيميّ للنهضة الإسلامية على الإسلام - فلولا صلح الإمام المجتبى لما كُتب لذلك الإسلام القيميّ الثوريّ البقاء، ولزال من الوجود، لأنّ الغلبة ستكون في خاتمة المطاف من نصيب معاوية. لم يكن الوضع بحيث يمكن للإمام الحسن المجتبى عليه السلام تحقيق النصر، فقد كانت الأمور جميعها تسير بالاتّجاه المعاكس لغلبة الإمام المجتبى عليه السلام . وكانت الغلبة تسير لصالح معاوية، لاستحواذه على الجهاز الإعلاميّ، ولأنّ شخصيته في العالم الإسلاميّ لم تكن بتلك الشخصية الّتي يعجزون عن تبريرها وإبرازها.

ولولا لجوء الإمام الحسن عليه السلام للصلح لكانوا قد قضوا على وجود آل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم تماماً، ولم يبق من يحفظ الإسلام الأصيل بنظامه القيميّ ولا انتهى كلّ شيء بانهيار اسم الإسلام. وبالتالي لما وصل الدور إلى نهضة عاشوراء. لو قُدّر للإمام المجتبى عليه السلام أن يواصل الحرب ضدّ معاوية وأن تنتهي تلك الحرب باستشهاد آل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، لكان الإمام الحسين عليه السلام قد استشهد، وقُتل كبار الأصحاب، أمثال حجر بن عُديّ، وقُتل الجميع ولما بقي من يستفيد من الفرصة للمحافظة على الإسلام بإطاره القيميّ، وهذا دَينٌ عظيم أسداه الإمام المجتبى عليه السلام في محافظته على الإسلام.(22/01/1369)

في النهاية حدث صلحٌ. بالطبع كان الصلح مفروضاً. يجب القول إنّ الإمام لم يكن راغباً به. وتلك الشروط الّتي جعلها الإمام، في الواقع، زلزلت أسس عمل معاوية. الصلح بذاته وشروط الإمام الحسن عليه السلام كلّها كانت مكراً إلهياً، ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ3 أي لو أنّ الإمام الحسن حارب وقُتل في الحرب - وكان هناك احتمال كبير أن يُقتل على يد أصحابه أو على يد الجواسيس الّذين اشتراهم معاوية - لقال معاوية ليقول أنا لم أقتله بل قتله أصحابه. ولعلّه كان سيقيم العزاء عليه، ويبيد جميع أصحاب أمير المؤمنين من بعدها، أي أنّه ما كان ليبقى هناك أي شيء باسم التشيّع، فيظهر بعد 20 سنة في الكوفة جماعة تدعو الإمام الحسين عليه السلام . فما كان ليبقى شيء من الأساس. لقد حفظ الإمام الحسن الشيعة، أي أنّه حفظ البناء حتّى ترجع الحكومة إلى أهل البيت بعد عشرين أو 25 سنة.(13/03/1379)

الاعتراض على الصلح


بعد أن صالح الإمام الحسن معاوية، بدأ الجاهلون يذمّونه بمختلف العبارات، وبعضهم كان يسلّم عليه بـ "مذلّ المؤمنين"4، ويقولون له إنّك بصلحك هذا قد أذللت المؤمنين المتحمّسين لقتال معاوية واستسلمت لمعاوية، وفي بعض الأحيان كانوا يستخدمون عبارات أكثر احتراماً وأدباً، إلا أنّ المضمون كان واحداً. وقد قام الإمام الحسن عليه السلام في مقابل هذه الاعتراضات والملامات بمخاطبتهم بجملة لعلّها هي الأبلغ في كلّ خطبته: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ5. وهي جملةٌ قرآنية فكأنّه يريد أن يقول قد يكون ما جرى فتنة لكم وامتحاناً أو أنّه متاع محدود لمعاوية. وهذا يدلّ دلالة واضحة على أنّ الإمام كان ينتظر المستقبل، وهذا المستقبل لا يمكن أن يكون سوى أنّ الحكومة الّتي لا يمكن أن تكون مقبولة بنظر الإمام الحسن عليه السلام والّتي هي على غير الحقّ يجب أن تتنحّى جانباً وتأتي حكومة وفق رأيه. لهذا، كان يقول لهم إنّكم لستم مطّلعين على فلسفة هذا الأمر. فماذا تعلمون؟ لعلّ هناك مصلحة في هذا الأمر.

في بداية الصلح جاء اثنان من وجهاء الشيعة - مُسيّب بن نَجَبة وسليمان بن صُرد - ومجموعة من المسلمين إلى الإمام المجتبى عليه السلام . وقالوا لدينا قوى كثيرة من خراسان ومن العراق وغيرهما ونحن نضعهم بتصرّفك، ونحن مستعدّون أن نلاحق معاوية. فطلبهم عليه السلام إلى خلوةٍ وتحدّث معهم بمقدار. وبعد أن خرجوا من عنده كانوا هادئين وتركوا قوّاتهم ولم يعطوا لمن كان معهم أيّ جوابٍ واضح. ويدّعي طه حسين أنّ هذا اللقاء قد وضع في الواقع الحجر الأساس لجهاد الشيعة. أي أنّه يريد أن يقول إنّ الإمام الحسن عليه السلام قد جلس معهم وشاورهم وأوجد في هذا الاجتماع التشكيلات الشيعية العظيمة.

لهذا، يتّضح هذا الأمر في حياة الإمام الحسن عليه السلام وفي كلماته، وإن لم تكن أرضية مثل هذا القيام مهيّأة في ذلك العصر لأنّ وعي الناس كان قليلاً، وكانت الإمكانات المالية للعدوّ وإعلامه كثيرة جداً. لقد استعمل العدوّ أساليب لم يكن للإمام الحسن عليه السلام أن يستعملها، كدفع الأموال دون طائل، وجمع الفاسدين والأشرار وأمثالهم. فلذلك كانت يد معاوية مبسوطة بخلاف الإمام الحسن عليه السلام .(مجلة پاسدار اسلام، 6)

توجد رواية عن الإمام الصادق عليه السلام حيث يقول: "وُقّت هذا الأمر في السبعين"6 فبالتقديرات الإلهية إنّ أمر الحكومة يعود إلى أهل البيت حتّى ولو بعد مرور 30 سنة على شهادة أمير المؤمنين عليه السلام و10 سنوات على شهادة الإمام الحسين عليه السلام . غاية الأمر كيف يمكن أن تحصل هذه النتيجة بمثل هذه العظمة؟(الجواب) عندما يهيّئ الناس مقدّماتها بالإرادة والعزم. والله تعالى لا يحابي أحداً، وليس له من أقارب! فالأمر الّذي كان على عاتق الناس لم ينجزوه. أمّا العمل الّذي كان على عاتق الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام فقد أدّياه، ولكن العمل الّذي كان على عاتق الخواص - عبد الله بن جعفر وعبد الله بن عبّاس وغيرهما - فلم يتمّ. حتّى أولئك الّذين جاؤوا فيما بعد إلى كربلاء وحاربوا مع الإمام الحسين عليه السلام لم يفعلوا ما كان ينبغي أن يفعلوه في زمان مسلم. لقد قصّروا، وإلّا لما حدث لمسلم ما حدث. كان عليهم أن ينهوا المسألة ولم يفعلوا. وهذا التقصير أدّى إلى أن تحدث واقعة كربلاء.

ثمّ يقول عليه السلام : "فلمّا أن قُتل الحسين صلوات الله عليه اشتدّ غضب الله تعالى على أهل الأرض فأخّره إلى أربعين ومائة"7. أي أنّه في الظاهر قد تأخّر. وبرأيي قد وصل إلى سنة 140 أي أنّه تأخّر سبعين سنة. وهي السنوات الّتي وصل فيها العبّاسيّون إلى السلطة... أي من المعلوم أنّ صلح الإمام الحسن عليه السلام ، قد هيّأ الأرضية لهذا العمل الكبير وإلا فإنّ الأئمّة عليهم السلام لم يكونوا ليتركوا القضية. فهل أنّ قضية الولاية والحكومة هي قضية بسيطة؟! لقد كان هذا أساس الدين ومحوره. ولكن في النهاية هذا ما حدث.(13/03/1379)

الصلح وتبديل مجرى الخلافة

لقد قيل الكثير بشأن هذا الصلح. وأمّا ما أريد أن أقوله فهو التعامل مع قضية صلح الإمام الحسن عليه السلام من رؤية جديدة. لأنّ هذه الحادثة تمثّل مقطعاً تاريخيّاً شديد الحساسيّة يجعل أهميّة هذه الحادثة أكبر من أيّة حادثة سياسيّة طيلة تاريخ الإسلام. إنّ تاريخ الإسلام مليءٌ بالأحداث المختلفة - أحداث عصر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وما بعده وعصر أمير المؤمنين عليه السلام والحوادث في عهد الأئمّة عليهم السلام والأمويين والعبّاسيين - فلذلك، الإسلام تاريخٌ مليءٌ بالحوادث المهمّة. لكن لعلها قليلةٌ هي الأحداث الّتي تشبه هذه الحادثة، حادثة الإمام الحسن عليه السلام ، من حيث البُعد المصيريّ للتاريخ الإسلاميّ كلّه. لا يوجد ما يماثل هذه الحادثة سوى حادثة أو اثنتين في تاريخ الإسلام، كان لهما الأثر المصيريّ على مستوى حركة الإسلام وتاريخ الإسلام كلّه وعلى مرّ القرون المتمادية. كانت حادثةً مهمّةً جداً من هذه الناحية.

خلاصة الأمر أنّ هذه الحادثة هي عبارة عن تبديل مجرى الخلافة الإسلامية إلى المَلَكية. فهذه الجملة مليئة بالمعنى والمضمون لو تأمّلنا فيها. فالخلافة هي نوع من الحكومة والملكية هي نوعٌ آخر. ولا ينحصر التمايز بين هاتين بخصوصيّة واحدة أو خمس خصوصيّات. فمسار الملكيّة ومسار الخلافة، هما مساران منفصلان ويتمايزان بالكامل على مستوى إدارة المسلمين وحكمهم، وإدارة البلاد والمجتمع الإسلاميّ. وفي هذه الحادثة تبدّل مسار القطار العظيم للتاريخ الإسلاميّ والحياة الإسلامية، مثلما يحدث عندما تنظرون إلى القطارات عند تغيّر مساراتها، ففي محلٍّ ما يتم تبديل هذه السكّة ويؤدي ذلك إلى أن يتغيّر مسار القطار 180 درجة، وقد يكون القطار متّجهاً نحو الشمال فيصبح بعد ذلك متّجهاً إلى الجنوب. وبالطبع، إنّ هذا التغيير إلى 180 درجة لا يحصل في لحظةٍ واحدة ملموسة، لكنّ في نهاية الأمر، عندما ينظر الإنسان يجد أنّه قد حصل ذلك، وإنّني أنظر إلى هذه الحادثة من هذه الحيثية.

صراع الحق والباطل


هناك سبعة أسئلة أساسية تدور حول هذا النص:
الأوّل: بعد صلح الإمام الحسن عليه السلام حلّ مسارٌ آخر مكان المسار السابق، فانتقلت السلطة من خطٍّ، بحسب تعبير اليوم، إلى خطٍّ آخر. فما هي مميّزات وخصائص هذين الخطّين؟ وما هي خصائص هذين المسارين الّذين تبادلا الأدوار معاً؟
الثاني: ما هي أساليب تيّار الباطل الّذي أمسك بالسلطة من أجل كسب القدرة والهيمنة على المجتمع؟
الثالث: ما هي أساليب تيّار الحقّ الّذي خسر القدرة - أي تيّار الإمام الحسن - من أجل مقاومة تيّار الباطل؟ ما هي الأساليب والطرق الّتي استخدمها الإمام؟
الرابع: تحليل ودراسة الهزيمة. ماذا حدث حتّى انهزم تيّار الحقّ في هذه الأحداث؟ ما هو تحليل هذه الأمور؟
الخامس: كيف كان سلوك المنتصرين تجاه المغلوبين؟ لأنّ من أهم الفصول المليئة بالدروس والعبر هو هذا الفصل.
السادس: كيف كان سلوك المغلوبين مقابل الغالبين؟ أيّة سياسة اختاروا؟ وأيّة استراتيجية؟ وماذا كانت عاقبة الأمر؟
السابع: ماذا كانت العاقبة؟

خصائص تيار الحق والباطل

فيما يتعلّق بخصائص كلّ تيّار، هناك الكثير ممّا يمكن أن يُقال. بحيث لو أردنا أن نعدّدها لاحتجنا إلى لائحةٍ طويلة، وقد قمت بتبويبها. فإنّ تيّار الحقّ، أي تيّار الإمام الحسن عليه السلام ، يعطي الأصالة للدين، فبالنسبة لهم الأصل كان الدين. فما هو الدين؟ هو أن يبقى الإيمان والاعتقاد بالدين عند الناس، وأن يبقى الناس متعبّدين بالدين ومتمسّكين بالإيمان والعمل، وأن يكون الدين حاكماً في إدارة المجتمع. كان الأصل بالنسبة لهم هو أن يتحرّك المجتمع وفق إدارة الدين وقدرته وحاكميّته وأن يكون النظام هو النظام الإسلاميّ. الحصول على القدرة والحكومة والإمساك بزمام السلطة هما بالمرتبة الثانية، والثالثة والرابعة وهكذا، وغيرها من القضايا الفرعية. لكنّ القضية الأساس كانت أنّ هذا النظام وهذا المجتمع ينبغي أن يُدار وفق حاكمية الدين، وأن يبقى أبناء هذا المجتمع على دينهم وإيمانهم، وأن يترسّخ ويتعمّق هذا الأمر في قلوبهم. كانت هذه هي خصائص التيّار الأوّل.

أمّا التيّار الثاني فكان الإمساك بالسلطة هو الأصل عنده، بأيّ ثمنٍ كان. كانوا يريدون الحكومة... وكانت هذه هي السياسة الحاكمة على التيّار الثاني. وكانت القضية بالنسبة لهذا التيّار الإمساك بالسلطة بأيّ ثمنٍ كان وبأيّة وسيلة ومهما كانت الوسائل.

مثلما هو معروفٌ الآن في العالم بين السياسيين. بالنسبة لهم ليس الأساس الأوّل للقيم والأصول. فإن استطاعوا أن يحافظوا على الأصول الموجودة في أذهانهم فَبِها، وإن لم يتمكّنوا فإنّ الأساس عندهم هو أن تبقى السلطة بأيديهم. هذا ما هو مهمٌّ بالنسبة لهم. ومثل هذا يُعدّ حدّاً حسّاساً ومهمّاً. من الممكن أن يكون كلّ من التيّارين عاملاً بظواهر الدين، كما كان الأمر في الحرب بين أمير المؤمنين عليه السلام ومعاوية. ففي يومٍ من الأيّام، نجد أنّ جماعة من المقاتلين كانوا في صفوف أمير المؤمنين عليه السلام - في حرب صفّين الّتي وقف معاوية فيها مقابل أمير المؤمنين عليه السلام - ثم تردّدوا، وكان من بينهم عدّة من أولئك الّذين يحملون الشبهات ولا يستطيعون أن يحلّوها بأنفسهم، ولا هم يرجعون إلى شخصٍ قادرٍ على ذلك، فلذلك كانوا يعزمون على إشاعتها، فيجمعون مجموعة من الأفراد من حولهم. ومثل هؤلاء كانوا يقعون في التردّد، فيقولون لماذا نحن نتحارب؟ فهم يصلّون ونحن نصلّي، وهم يقرأون القرآن ونحن نقرأ القرآن، وهم يذكرون النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ونحن كذلك، فوقعوا في مثل هذا التردّد والحيرة. وكان هناك عمّار بن ياسر - وقد وجدت نقطةً بارزةً بشأن عمّار بن ياسر في تاريخ صدر الإسلام - هذا الجليل المحلِّل والكاشف للمسائل المليئة بالشبهات والدقيقة، والّتي كانت في ذلك الزمان مورد غفلة وجهالة. فهذا هو شأن عمّار بن ياسر في تاريخ الإسلام. فإذا كنّا نعرف مالكاً الأشتر بسيفه وشجاعته، فعلينا أن نعرف عمّار بن ياسر بكلامه وفكره ورؤيته الصحيحة وكشفه للكثير من الأمور في تاريخ صدر الإسلام. قليلة هي الموارد الّتي كانت موارد شبهة في زمن أمير المؤمنين عليه السلام ولا يوجد لعمّار بن ياسر فيها حضور. لقد كان هذا الرجل الجليل رجلاً استثنائياً.

لقد علم عمّار بن ياسر أنّ هناك جماعة وقعوا في هذه الشبهة، فذهب إليهم وبيّن لهم الحقائق. واتّضح لهم أنّ القضيّة ليست قضيّة هذه الظواهر كالصلاة، وقال أقسم بالله أنّني رأيت في حربٍ أخرى هاتين الرايتين تتقابلان، هذه الراية الّتي يحملها أمير المؤمنين عليه السلام اليوم، وهذه الراية الّتي تقف مقابله ويحملها معاوية، وذلك في معركة بدر. ففي معركة بدر تقابلت هاتان الرايتان - راية بني هاشم وراية بني أميّة - فكان تحت هذه الراية الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، وتحت تلك الراية معاوية هذا وأبوه، وتحت هذه الراية النبيّ وهذا أمير المؤمنين عليه السلام . فالخلاف بينهما خلافٌ أصوليّ. فلا تنظروا إلى هذه الظواهر، وأزيلوا هذه الشبهة من أذهانكم.

أحياناً، قد يراعي هذا التيّار، الّذي تكون السلطة أساساً بالنسبة له، الظواهر الإسلامية وهذا ليس دليلاً ومعياراً، بل ينبغي النظر إلى باطن القضيّة وتشخيصها بذكاء، وكيف أنّ كلّ تيّار ينطبق على أيّ شيء، هذا هو الأمر الأول. فخصائص كلّ من التيارين: أنّ هناك تياراً لا همّ له سوى الوصول إلى السلطة، وتيّاراً يتّجه نحو القيم والمبادئ والأصول. فالبُنى الإسلامية والأفكار الإسلامية الأصيلة، أي القيم الإسلامية، هي الّتي يؤمن بها ويسعى من أجلها ويجاهد في سبيلها. فمن جانبٍ هناك الأصوليّة والتوجّه إلى الأصول وحفظ القيم الأصيلة، وفي المقلب الآخر، هناك السعي نحو السلطة والإمساك بالقدرة. وأحياناً، يكون الأمر هكذا وفي بعض الأحيان في طريقٍ آخر، لكن مهما حدث فإنّه يريد الإمساك بالسلطة. هذا هو الأمر الأوّل.

أساليب تيار الحق والباطل في العمل

أمّا بالنسبة لتيّار الباطل فما هي الأساليب الّتي استخدمها؟ فمثل هذا لافت للأنظار جداً. إنّ أساليب الباطل في العموم هي مزيج من عدّة أشياء، أي أنّ خطّة معاوية كانت مبنيّة على عدّة أجزاء من أجل الحفاظ على السلطة وتعميق القدرة، ولكلٍّ منها أسلوبه ومنهجه بحسب اختلاف المكان. فأحد هذه الأساليب كان عبارة عن استعراض القدرة، وفي بعض الأماكن كانوا يصرّون كثيراً على هذا الاستعراض وينكّلون؛ وثانيها هو المال، الّذي يُعدّ أكثر الأشياء فعالية بيد عوامل الشرّ، الآخر هو الإعلام، والرابع هو العمل السياسي، أي الأساليب السياسية، والمقايضات السياسية. هذه بالمجموع أساليب معاوية.

في مكانٍ ما يبلغ العنف بمعاوية درجة أن يقتل حُجر بن عديّ، الّذي هو من صحابة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، حتّى ولو كان قتله يحمّله ثمناً باهظاً. ثمّ يلاحق رشيد الهجريّ حتّى يقتله. ونجده يولّي زياد بن أبيه، هذا الفرد الظالم والمعقّد والّذي لا قيمة عنده ولا همّ له سوى السلطة، والّذي كان سيّئ الأخلاق، يولّيه على الكوفة - الّتي هي مركز سلطة الفكر الشيعيّ والفكر الولائيّ - ويعطيه الإجازة والصلاحية ليفعل ما يريد. وبشأن زياد بن أبيه كتب المؤرّخون: "أخذْك بالظنّة وقتلْك أولياءه بالتّهمة"8، فكان يأخذ أيّ شخصٍ بالتهمة. وسوء الظن، لأدنى مورد، فيعتقل ويحبس وينكّل بكلّ من اتُّهم بالانتماء لأهل البيت أو التعاون معهم ومع ذلك التيّار المغلوب، ويقتله ويقضي عليه. لقد عمّت فتنة في الكوفة والعراق الّذي كان مركز حاكمية التشيّع وأهل البيت عليهم السلام . هكذا كان يستعرض قوّته. ومعاوية نفسه في موردٍ آخر، كان يلاطف امرأة عجوز تأتي من القبيلة الفلانية وهي تسبّه وتشتمه، وتوبّخه بأنّك فعلت كذا وكذا وكذا، فيضحك لها ويلاطفها، ولا يقول لها شيئاً. يأتي عديّ بن حاتم إلى معاوية وقد كان فاقد البصر، فيقول معاوية: "يا عديّ إنّ عليّاً لم ينصفك، لأنّه حفظ ولديه في حروبه وأخذ منك ولديك". يبكي عديّ ويقول: "يا معاوية، أنا لم أنصف أمير المؤمنين حينما استُشهد هو وأنا ما زلت حيّاً"9. وكان كلّ من يأتي من المرتبطين بأهل البيت عليهم السلام إلى مجلس معاوية، فيحصل فيه أقل إهانة لأمير المؤمنين، كان يحمل على معاوية وأتباعه بشجاعة وقوة وصراحة، وكان معاوية يضحك ويلاطف وأحياناً كان يبكي. كان يقول: أجل تقول حقّاً. لعلّ ذلك بالنسبة لكم لا يُصدّق، ولكن هذا الواقع، هكذا كان الإعلام، فالإعلام أكثر الأساليب سمّاً وخطراً على مرّ التاريخ. وكان الباطل يستفيد منه كثيراً. ولا يمكن لتيّار الحقّ أن يستخدم الإعلام كما يستخدمه الباطل في أيّ زمن. فلأجل أن يتمكّن الإعلام من التغطية الكاملة على الأذهان يحتاج إلى التلاعب وإلى الكذب والخداع. وتيّار الحقّ ليس من جماعة الكذب والخداع. إنّه تيّار الباطل الّذي لا يهمّه أي شيء، فالمهمّ عنده هو أن يقلب الحقيقة في أعين الناس. وهو يستفيد من جميع الوسائل، وقد فعل.

وما هو مشهور ومتناقل على ألسن متعدّدة، أنّه عندما قُتل أو ضُرب أمير المؤمنين عليه السلام في محرابه، تعجّب أهل الشام كيف أنّ عليّاً كان في المحراب. فالمحراب هو للصلاة، وبعض الناس لا يصدّق مثل هذا، ولكن هذا هو الواقع؛ فعلى مدى سنوات كانت حكومة معاوية، ومن قبله أخيه يزيد بن أبي سفيان، تبثّ مثل هذه الأنباء في الشام، وتُظلم الأجواء وتشوّش الأذهان، بحيث إنّه لم يكن من الممكن لأحد أن يفهم غير هذا، هذا ما حدث. كان الإعلام لمصلحة بني أميّة ومعاوية وضدّ آل النبيّ. فهذا الواقع الّذي قام في العالم الإسلامي وبقي إلى حوالي مائة سنة بعد الهجرة - أي لعلّه أربعون أو خمسون سنة بعد عهد أمير المؤمنين عليه السلام ، كان أمير المؤمنين يُلعن خلالها على المنابر - وهذا اللعن في عالم الإسلام، الّذي يُتّهم به الشيعة ويلامون عليه أنّه لماذا تلعنون بعض الصحابة، كان من عمل معاوية وأخلاقه، فهم من قام بهذا العمل، إنّه عمل معاوية. فأمير المؤمنين، عليّ بن أبي طالب عليه السلام الّذي كان "أفضل القوم10 وأقدمهم إسلاماً11" وأقرب أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، كان يُطعن به ويُلعن لعشرات السنوات على المنابر. وحتى زمن عمر بن عبد العزيز، الّذي منع ذلك عندما صار خليفةً، وقال لا يحقّ لأحد أن يفعل هذا. فبعد عبد الملك بن مروان، حكم ولداه، الوليد وسليمان، بحدود 12 أو 13 سنة، ثمّ جاء بعدهما عمر بن عبد العزيز، وبعد سنة أو سنتين من حكومته، حكم ولدا عبد الملك الآخران أي يزيد وهشام. لم يسمح عمر بن عبد العزيز لهم أن يلعنوا أمير المؤمنين، وهو ما كانوا يفعلونه إلى ذلك الوقت. هذا هو أحد الأعمال الّتي كانوا يفعلونها. أجل، في البداية كان الناس يتعجّبون لكنّهم اعتادوا على ذلك شيئاً فشيئاً.

نقرأ في التاريخ أنّه لم يبقَ من قارئٍ أو محدّثٍ أو راوٍ في الدين أو في العالم الإسلاميّ إلّا وأجبره جهاز حكومة معاوية وأتباعه على اختلاق حديثٍ أو تفسير آية، وأمثال ذلك، في ذمّ أهل البيت عليهم السلام وفي مدح أعدائهم.

هذا سُمرة بن جندب بن معروف الّذي وردت بشأنه الرواية المعروفة "لا ضرر ولا ضرار"12، وهو كان من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، غاية الأمر أنّه صحابيّ غضب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عليه، وذلك بسبب تلك القصّة المعروفة أنّه كان له شجرة في أرضٍ لعائلةٍ وكان يذهب ويزعجهم ويدخل عليهم في بيتهم من دون أي استئذان، ومع وجود العائلة والنساء والأطفال في ذلك البيت، وكانوا يرونه قد دخل عليهم فجأة لأنّ له هذه الشجرة، فشكوا إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال له النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : بِع هذه الشجرة لأصحاب هذا البيت، فقال: لا أبيعها، هذه شجرتي وأنا أريد أن أهتمّ بشجرتي، فقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : بِعها لي، فلم يقبل، فقال له الرسول: أعطيك المبلغ الفلانيّ، فلم يقبل، فقال له الرسول: أعطيك شجرة في الجنّة، وهذا يعني وعداً بالجنّة، لكنّه لم يقبل وقال أريد هذه الشجرة ولا بدّ، فلمّا وجد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ذلك الإصرار قال لصاحب المنزل اذهب واقتلع هذه الشجرة وارمِها خارجاً "فلا ضرر ولا ضرار في الإسلام"، أي أنّه لا يوجد في الإسلام ما يقبل بأذيّة الناس وضررهم، فإذا كان الأمر بحجّة أنّ هذا ملكي فنؤذي الناس، فلا يوجد مثل هذا الأمر في الإسلام. فحديث "لا ضرر" المعروف الّذي يُعدّ من الأصول والقواعد الفقهية عندنا هو بشأن هذا الرجل. إنّ سمرة بن جندب بقي حيّاً إلى زمن معاوية. انظروا أيّة عاقبةٍ حسنة وصل إليها، لأنّ معاوية كان يسعى وراء الصحابة. فقد كان لأصحاب النبيّ شهرة ومكانة ولهذا كان يسعى لجمعهم حوله. فأحضره معاوية إليه وقال له إنّني أرغب في أن تقول إنّ هذه الآية المعروفة، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ13 قد نزلت بعليٍّ عليه السلام . أراد معاوية أن يجعل هذه الآية مقابل كلام أمير المؤمنين عليه السلام في ذمّ الدنيا، في تلك الخطبة القاصعة في نهج البلاغة الّتي لها أثر كبير. أنتم تلاحظون أنّ تلك الكلمات والخطب كانت في منتهى الجمال.

تصوّروا اليوم مثلاً شخصاً يؤلّف كتاباً أو شعراً أو مقالةً في غاية الفصاحة والجمال والفنّ حول موضوع ما، من الطبيعيّ أنّ الموضوع سيأخذ مجده، وسيكون لصاحب هذا الأثر الفنّي حلاوة في أعين الناس. وهنا لا يمكن في الواقع مقارنة كلام أمير المؤمنين عليه السلام بأيّ أثر من الآثار الفنّية الّتي نعرفها، إنّه فوق ذلك بكثير، إنّه آية في الجمال. وهذه كلمات أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة، وكذلك هي في الواقع في بيان القيم الإسلامية والمعارف الإسلامية، كانت ممّا لا يمكن لمعاوية تحمّله وقبوله، لأنّها تجعل أمير المؤمنين عليه السلام مورد استحسان في أعين الناس. أراد (معاوية) أن يواجه هذه الكلمات الزاهدة في مذمّة الدنيا، والّتي نُقلت عن أمير المؤمنين عليه السلام ، فلذلك قال معاوية لسمرة بن جندب قل أنّ هذه الآية نزلت في عليّ بن أبي طالب عليه السلام ؛ أي أنّ عليّاً عليه السلام (وفق ذلك) سيكون ممّن يتحدّث عن الدنيا بحديثٍ رائعٍ ويُعجب الناس ويقسم على ذلك لكنّه في الواقع هو من ألدّ أعداء الله والإسلام.
 

والآية الأخرى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّه﴾14 قيل إنّها نزلت في ابن ملجم. هذه من الأمور الّتي كان يحتاجها معاوية كثيراً في إعلامه وتبليغاته. فقال لأحد أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الّذي شاهده في المعارك وكان إلى جنبه - فسمرة بن جندب كان منذ حداثته جنديّاً وكان يشارك في المعارك رغم أنّه كان تحت سنّ التكليف، كان من هذا النوع، وكان من أصحاب النبيّ أيضاً - قال له قل إنّ هذه الآية قد نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام . اقترح عليه ذلك، لكنّ سمرة بن جندب، رغم أنّه كان سيئاً وشقياً، لكنّ وجدانه لم يكن مستعدّاً، فقال: كلا. والّذين كانوا يتوسّطون لهذا الأمر في بلاط معاوية قالوا له لا تقلق فإنّ حسابك سيصلك، فلا تقلق بشأن المال وسوف يعطيك 50 ألف درهماً، وكان هذا المبلغ في ذلك الزمان كثيراً جداً، فخمسون ألف مثقال من الفضّة يعني خمسة مثاقيل من الذهب، في حسابات ذلك الزمان، هذا يُعدّ ثروة كبيرة، قالوا له نعطيك خمسين ألفاً ، فقال: كلا، لا أقبل. هنا يقول بعض الناس إنّ سمرة بن جندب كان في الواقع يتلاعب وأراد أن يرفع السعر لا أنّه قد أنّبه ضميره، فهو كان يعلم بأنّ معاوية يحتاج إلى هذا الأمر وفي الحقيقة كان يحاول أن يساوم. هنا، هل أنّ وجدانه كان يتقبّل الأمر أم لا، لا أعرف، ولا أضع ذلك على ذمّتي، ولكن عندما لم يقبل رفعوا السعر إلى مائة ألف درهم ولم يقبل أيضاً، حتّى وصل الأمر إلى نحو 500 ألف درهم تقريباً، لكن مثل هذا المبلغ الكبير جداً، هو ثروة استثنائية، ولكن مع ذلك لم يقبل.

هنا، قال معاوية لذلك الّذي كان يتوسّط إنّ هذا الرجل بلا عقلٍ وهو مجنون لأنّه لا يعرف ما هي الـ 500 ألف، فقولوا له: 500 ألف وأحضروه إلى هنا حتّى أرى هل أنّه سيقبل أم لا. فأمر معاوية من كان مسؤولاً عن بيت المال أن يحضر هذا المبلغ إلى المجلس. وكما تعلمون في تلك الأزمة الأموال ستكون من الذهب، وعندما توضع في الأكياس ستكون ثقيلة وذات حجم كبير وتحتاج إلى من يحملها، فأحضر الحمّالون الأكياس ووضعوها فوق بعضها بعضاً حتّى وصلت إلى أعلى السقف، وقالوا هذه هي الـ 500 ألف، فهل أنت جاهزٌ أم لا؟ عندما نظر إلى هذه الأموال ورأى هذه الثروة العظيمة قبِل، وفسّر تلك الآية كما أراد معاوية وبقيت في الكتب. وصحيحٌ أنّ مثل هذه الكلمات الممتزجة بالخطأ والرذالة قد تمّ اختلاقها في العالم الإسلاميّ، وبالأغلب جاء العلماء فيما بعد واستبعدوها، لكن هذه رشحاتٌ من هؤلاء وقد بقيت في أذهان عدّة وأثّرت فيهم، وهذه من الأعمال الّتي كان يقوم بها معاوية في الإعلام. فمجموع هذه الأساليب هي الّتي شكّلت أساليب معاوية لكسب القدرة.

أمّا تيّار الحقّ فإنّه لم يجلس ساكناً مقابل هجمات الباطل. فقد كانت له أساليبه والّتي يمكن اختصارها بالمقاومة أوّلاً والحركة المقتدرة. فبعضٌ تصوّر أنّ الإمام الحسن عليه السلام لم يحارب خوفاً، كلا، إنّ الإمام الحسن المجتبى عليه السلام كان عازماً بشدّة على الحرب وهو من شجعان العرب. لقد نظرت في الكتاب في شرح بطولات الإمام المجتبى عليه السلام في القضايا المختلفة، فبطولاته في الأحداث المختلفة كثيرة. غاية الأمر أنّه في حروب أمير المؤمنين عليه السلام ، وحيث كان الميدان ميدان حرب كان أمير المؤمنين عليه السلام نفسه يمنع أن يحارب الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام ، وكان يمنع أن يقعا في الخطر. فقال بعضهم لماذا ترسل محمد ابن الحنفية وهو ابنك وتمنع من إرسال الحسن والحسين عليهما السلام ؟ فقال إنّي أخاف أن ينقطع نسل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم . فهما بقيّة النبيّ وأريد أن أحفظ نسل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم . كان يشعر بالخطر في ميدان الحرب وأراد أن يحفظهما، لا بسبب حبّه فهو يحبّ أبناءه الآخرين، ونفس أمير المؤمنين عليه السلام هو رجل الحرب ورجل الميدان والمخاطر وليس من أولئك الّذين يتوهّمون الخطر. غاية الأمر أنّهما ابنا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وأمير المؤمنين عليه السلام لم يرغب أن يوقعهما في الخطر. ولأنّهما حضرا في حروب أمير المؤمنين عليه السلام فلم يكن لهما صولات كثيرة لأجل هذا، لهذا لم يُسجّل اسم هذين العظيمين - الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام - ضمن الجشعان، ولكن في الحروب الإسلامية ضدّ إيران كان للإمام الحسن عليه السلام مشاركة، وفي دفاعه عن بيت عثمان أمام المهاجمين والثوّار، كان للإمام الحسن عليه السلام حضور بأمرٍ من أمير المؤمنين عليه السلام ، وفي القضايا المهمّة الكثيرة كان للإمام الحسن عليه ا

08-12-2015 عدد القراءات 3124



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا