21 أيلول 2017 الموافق لـ 30 ذو الحجة 1438
En FR

النبي وأهل البيت :: الشهادة

مجلس شهادة الإمام عليّ عليه السلام-2



خَطْــــــــبٌ أَلَمَّ بِرُكــْنِ الدِّينِ فانْها را 
فَأَيُّ حادِثَةٍ في الدِّيــنِ قَدْ وَقَعَت
كَرَّتْ وَقَدْ شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها فَرَمَتْ
هَذِي المَحارِيبُ أَيْنَ القائِمُونَ بِها
هَذِي مَنازِلُهُمْ بَعْدَ الأَنِيسِ فَلا
أَضْحَى المُؤَمَّلَ لِلْجَدْوَى يُجِيلُ بِها
هَذا عَلِيٌّ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ لُقىً
قَدْ حَجَّبَ الخَسْفُ بَدْراً مِنْهُ مَكْتَمِلاً
وافَتْ إِلَيْهِ بَنُوهُ الغُرُّ مُسْفِرَةً
أَبْكِيكَ في الجَدْبِ مِطْعاماً سَواغِبَها
فَلا أَرَى بَعْدَ حامِي الجارِ مِنْ أَحَدٍ
فَلا بَدا بَعْدَهُ بَدْرٌ ولَا طَلَعَت

أورى الغداة بقلب المصطفى نارا
فَأَلْبَسَتْهُ مِنَ الأَشْجانِ أَطْمارا
فَجَدَّلَتْ بَطَلاً في الحَرْبِ كَرَّارا
واللَّيْلُ مُرْخٍ مِنَ الظَّلْماءِ أَسْتارا
تَرَى بِها غَيْرَ وَحْشِ القَفْرِ زُوَّارا
طَرْفاً ولَيْسَ يَرَى في الدَّارِ دَيَّارا
مُضَرَّجاً بِدَمٍ مِنْ رَأْسِهِ فارا
وغَيَّضَ الحَتْفُ بَحْراً مِنْه تَيَّارا
عَنْ أَوْجُهٍ تَمْلَأُ الظَّلْماءَ أَنْوارا
وفي لَظَى الحَرْبِ مِقْداماً ومِغْوارا
يُجِيرُنا مِنْ صَرُوفِ الدَّهْرِ لَوْ جارا
شَمْسٌ ولَا فَلَكٌ في أُفْقِها دارا
1

شعبي:
يبويه فرقتك تصعب عليه        اشوفنّك تعالج بالمنية
أو ما خلّه امصابك حيل بيه     أو تدير العين يا حيدر علينه


عن الأصبغ بن نباتة، قال: أتى ابن ملجم أمير المؤمنين عليه السلام فيمن بايع، ثمّ أدبر عنه، فدعاه أمير المؤمنين عليه السلام فتوثّق منه، وتوكّد عليه ألّا يغدر ولا ينكث،
ففعل ثمّ أدبر عنه، فدعاه أمير المؤمنين الثّانية، فتوثّق منه وتوكّد عليه ألّا يغدر ولا ينكث، ففعل ثمّ أدبر عنه، فدعاه أمير المؤمنين الثّالثة، فتوثّق منه وتوكّد عليه ألّا يغدر
ولا ينكث، فقال ابن ملجم: والله يا أمير المؤمنين، ما رأيتك فعلت هذا بأحد غيري. فقال أمير المؤمنين عليه السلام:
أُرِيدُ حَياتَهُ ويُرِيدُ قَتْلِي         عَذِيرُكَ مِنْ خَلِيلِكَ مِنْ مُراد

امض يا بن ملجم، فوالله ما أرى أن تفي بما قلت.
وعن ابن المغيرة، قال: لمّا دخل شهر رمضان كان أمير المؤمنين عليه السلام يتعشّى ليلة عند الحسن، وليلة عند الحسين، وليلة عند عبد الله بن جعفر، وكان لا يزيد على
ثلاث لقم، فقيل له ليلة من تلك اللّيالي في ذلك، فقال: يأتيني أمر الله، وأنا خميص؟! إنمّا هي ليلة أو ليلتان2.

وعن أمّ كلثوم، قالت: لمّا كانت ليلة تسع عشرة من شهر رمضان، قدّمت إلى أبي عند إفطاره طبقاً، فيه قرصان من خبز الشعير، وقصعة فيها لبن وملح جريش، فلمّا فرغ من صلاته، أقبل على فطوره، فلمّا نظر إليه وتأمّله، حرّك رأسه وبكى بكاء عالياً...

إلى أن قالت: فقلت له: وما ذاك يا أبتاه؟ قال: بنيّة، أتقدّمين إلى أبيك إدامين في طبق واحد؟ أتريدين أن يطول وقوفي غداً، بين يدي الله تعالى يوم القيامة؟
وروي: أنّه تقدّم إلى الطّبق، وأخذ منه قرصاً واحداً، وتناول شربة من الماء، فشربها وحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قام إلى الصّلاة، فصلّى حتّى ذهب أكثر اللّيل، ثمّ جلس للتّعقيب، ثمّ نامت عيناه، وهو جالس، ثمّ انتبه... من نومه، فجمع أولاده وأهله، وقال لهم: إنّي رأيت السّاعة حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يقول: يا أبا الحسن، أنت قادم إلينا عن قريب، فما عندنا خير وأبقى، فلمّا سمعوا كلامه، ضجّوا بالبكاء والنّحيب، ثمّ أمرهم بالسّكوت، ثمّ أقبل عليهم يوصيهم، ويأمرهم بفعل الخير، وينهاهم عن السّوء..

المصيبة:
قال: ولم يزل تلك اللّيلة قائماً وقاعداً، وراكعاً وساجداً، يخرج ساعة بعد ساعة، وينظر في السّماء، ويقلّب طرفه إلى الكواكب، ثمّ يعود إلى صلاته، ويقول: اللّهم بارك لي في الموت؛ ويكثر من قول لا حول ولا قوة إلّا بالله العليّ العظيم, ويستغفر الله كثيراً، ثمّ نعس ونام ساعة, ثمّ استيقظ وأسبغ الوضوء، ونزل إلى الدّار، وفي الدّار وزٌّ أهدي إلى الحسن عليه السلام، فلمّا نزل، خرجن وراءَه يرفرفن، وصرخن في وجهه، فقال: لا إله إلّا الله، محمّد رسول الله، صوائح تتبعها نوائح، ثمّ قال: يا بنيّة,لم لا تطلقين من ليس له لسان؟ دعيهن يأكلن من حشائش الأرض، فوصل إلى الباب فرآه مغلقاً، فعالج في فتحه فانحلّ مئزره،..

فجعل يشدّه بيده، ويقول:
أُشْــدُدْ حَيازِيمَـكَ لِلْـمَوْتِ    ولا تَجـْزَعْ مِـنَ الـمَوْت
فـَإِنَّ المـَوْتَ لاقـِيكا          إِذَا حـَلَّ بــِنـادِيـا


ثمّ قال: اللّهم بارك لي في الموت.
قالت أمّ كلثوم: كنت أمشي خلفه، فلمّا سمعته يقول ذلك، قلت: واغوثاه بك يا أبتاه، أراك تنعى نفسك منذ اللّيلة. قال: يا بنيّة, إنّ للموت دلالات وعلامات يتبع بعضه بعضاً، ثمّ فتح الباب وخرج، قالت أمّ كلثوم: وجئت إلى أخي الحسن، وقلت له: قد كان من أمر أبيك اللّيلة كذا وكذا، وقد خرج في هذه اللّيلة. فلحقه الحسن عليه السلام قبل أن يدخل المسجد، وقال: يا أبه, من ذا الّذي أخرجك في هذه السّاعة إلى المسجد؟ قال: يا بنيَّ, لأجل رؤيا أهالتني.

وذُكِر أنّ الحسن عليه السلام أراد الذّهاب معه فلم يرض، ودخل أمير المؤمنين عليه السلام المسجد، وصلّى في المسجد باقي ليلته..
ثمّ إنَّه عليه السلام علا المِئْذَنة، وأذّن: الله أكبر, الله أكبر, (كأنّما يقول للنّاس: الوداع الوداع.. هذا آخر أذانٍ لأمير المؤمنين), فلمّا نزل عن المِئْذَنة جعل يسبّح الله تعالى ويقدّسه، ثمّ نادى: الصّلاة الصّلاة، ثمّ تقدّم إلى المحراب، حتّى صلّى، وركع وسجد السّجدة الأولى، ورفع رأسه، فضربه اللّعين ابن ملجم، وتعمّد بالضّربة رأسه, فوقعت فيه, فشقّته إلى موضع السّجود، فوقع أمير المؤمنين عليه السلام في محرابه يخور بدمه على وجهه، ولزم رأسه..

ونادى: فُزت وربِّ الكعبة!
وقال: بسم الله وبالله, وعلى ملّة رسول الله، أخبرني بذلك حبيبي رسول الله.

أمّا النّاس، فأحاطوا بالمسجد، ودخلوا على أمير المؤمنين، وهو يشدّ رأسه بمئزره، والدّم يجري على رأسه ولحيته، وهو يقول: هذا ما وعد الله ورسوله، وصدق الله ورسوله..

قال الرّاوي: فاصطكّت أبواب المسجد بالنّاس، وضجّت الملائكة بالبكاء، وهبّت ريح سوداء مظلمة، ونادى جبرئيل في السّماء، بصوت يسمعه كلّ قائم ومستيقظ، وهو يقول: (تهدّمت والله أركان الهدى، وانطمست أعلام التّقى، قتل ابن عمّ المصطفى، قتله أشقى الأشقياء). قال: فسمعت أمّ كلثوم نعي جبرئيل، فلطمت خدّها، وشقّت جيبها، وصاحت: وا أبتاه، وا عليّاه، وا محمّداه..
من سمعت الصّيحة العجيبة        ظلّت عليه زينب مريبه
والقلب ما يخمد لهيبه             والدّمع ما يبطل سكيبه
ما تشوف لي ضجّه وجليبه       ولن جايبينه اشلون جيبه
صاحت يبويه اشهالمصيبه        مطـــبور والهامه خضيبه


ثمّ انتبه كلّ من كان في الدّار، وخرج الحسن والحسين عليهما السلام، وهما يبكيان، ويقولان: واجدّاه، فسمعا النّاس ينادون وا إماماه، وا أمير المؤمنيناه, فدخلا إلى المسجد، فوجدا أباهما مطروحاً في المحراب، والدّماء قد صبغت ثيابه وشيبته، وقد شدّ رأسه بمئزره، ووجهه قد علتـه الصّفرة، فأخذ الحسن برأس أبيه، ووضعه في حجره، وهو مغمىً عليه، فبكى الحسن بكاءً شديداً، ودموعه تتناثر على وجه أبيه، فأفاق أمير المؤمنين عليه السلام فنظر إليه، وقال: يا ولدي، أتبكي عليّ، وأنت تقتل مسموماً، ويقتل هكذا أخوك الحسين بالسّيف ظلماً وعدواناً؟ ثمّ قال: يا أبتاه من قتلك؟ قال: قتلني اللّعين ابن ملجم. إلى أن قال: قال محمّد بن الحنفيّة: ثمّ قال أبي: احملوني إلى مصلّاي. فحملناه إليه، والنّاس من حوله قد أشرفوا على الهلاك، ما بين نادب ونادبة، وباك وباكية، قال: وأقبلت زينب وأمّ كلثوم، وجعلتا تندبان وتقولان: يا أبتاه، من للصّغير حتّى يكبر؟ يا أبتاه حزننا عليك لا يفنى، وعبرتنا عليك لا ترقأ، قال: فضجّ النّاس بالبكاء من وراء الحجرة، ففاضت
دموع أمير المؤمنين عند ذلك 3، وجعل ينظر بعينه إلى أهل بيته.

ألف وسفه على حامي الجار ينصاب       ودم الــرّاس بالمحــراب ينصاب
المأتـم إلــه بيــوم العيـد ينصــاب          الإنس والجان نصبت له عزيّه


قال: محمّد بن الحنفيّة: بتنا ليلة العشرين من شهر رمضان عند أبي، وقد نزل السّمّ في بدنه, وكان يصلّي تلك اللّيلة من جلوس، فلم يزل يوصينا بوصاياه، ويعزّينا بنفسه، فلمّا أصبحنا، استأذن النّاس عليه، فأذن لهم -إذناً عامّاً- فدخلوا عليه، وجعلوا يسلّمون عليه وهو يردّ عليه السلام، وهو يقول: اسألوني قبل أن تفقدوني، وخفّفوا سؤالكم، قال: فبكى النّاس عند ذلك، وأشفقوا أن يسألوه4.

قال: وجمع أبي أهل بيته وأولاده، ونحن ننظر إليه، وإلى بدنه، ورجليه وقد احمرّتا، فكبر ذلك علينا، ثمّ عرضنا عليه الأكل، فأبى أن يأكل، وجبينه يرشح عرقاً، وهو يمسح جبينه، فقلت: يا أبتاه، أراك تمسح جبينك؟! فقال: يا بنيّ, إنّ المؤمن إذا نزل به الموت، عرق جبينه، وسكن أنينه، ثمّ جمع عياله، وهو يقول: أستودعكم الله، الله خليفتي عليكم. ثمّ أوصى الحسن والحسين، فقال: يا أبا محمّد، ويا أبا عبد الله، كأنّ بكما وقد خرجت عليكم الفتن، كقطع اللّيل المظلم من ها هنا وها هنا، فاصبرا حتّى يحكم الله، وهو خير الحاكمين، ثمّ قال: يا أبا عبد الله، أنت شهيد هذه الأمّة، فعليك بتقوى الله، والصّبر على البليّة. ودار عينه في أهل بيته كلّهم، فقال: أستودعكم الله، الله خليفتي عليكم، وكفى بالله خليفة، ثمّ قال: ﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ، ثمّ استقبل القبلة، وغمّض عينيه، ومدّ يديه ورجليه، وقال: أشهد أن لا إله إلّا الله، وحده لا شريك له, وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله، ثمّ قضى نحبه..

أي وا إماماه وا عليّاه.
فعند ذلك خرجت زينب وأمّ كلثوم وجميع نسائه, وشققن الجيوب, ولطمن الخدود، فأقبل النّاس يهرعون أفواجاً، وصرخوا صرخة عظيمة، وارتّجت الأرض، وارتفع البكاء والنّحيب، وكان كيوم مات فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكثرت الأصوات من الآفاق... وسمعنا هاتفاً يقول:


بِنَفْسِي وَأَهْلِي ثُمَّ مَالِي وَأُسْرَتِي            فِدَاءٌ لِمَنْ أَضْحَى قَتِيلَ ابْنِ مُلْجَمِ

شعبي:
بعيد البلى لفراقك ينوحون              ومـحـزنين اولادك يصــيحون
يبويه العيد هالگرب علينه             يــبــويه بالحــزن لا تخـلّينه
يبويه وبعــد ما هـوّد مكانه        يــنور العيون وامصابك لفانه
يبويه والقلب زادت احزانه            عـليك ادموعنه تجري سويّه


قال محمّد بن الحنفيّة: ثمّ أخذنا في تجهيزه ليلاً، وكان الحسن يغسّله، والحسين يصبّ الماء، وكان لا يحتاج إلى من يقلّبه، والحسن يقول: لا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم, إنّا لله وإنّا إليه راجعون، وا أبتاه، وا انقطاع ظهراه، فلمّا انتهينا إلى قبره، وكشفنا التّراب، وإذا نحن بقبر محفور، ولحد مشقوق، وساحة منقورة مكتوب عليها: هذا ما ادّخره نوح النبيّ للعبد الطّاهر المطهّر. فلمّا أرادوا نزوله سمعوا هاتفاً، يقول: أنزلوه إلى التّربة الطّاهرة، فقد اشتاق الحبيب إلى الحبيب، وأُلحد أمير المؤمنين عليه السلام قبل طلوع الفجر5.
أسفي على زينب، لمّا رجعت إلى الدّار، تنظر إلى محراب أبيها، وهو خالٍ منه فتستوحش لفراقه:

بويه, يومين اله المحراب خالي                  يـبـويه شكـثر وحــشه اللّيالي
                              تفت الصّخر ونسة الوالي
بِنَفْسِي وَمالِي ثُمَّ أَهْلي وَأُسْـرَتِي                  فِــدَاءٌ لِمَنْ أَضْحَى قَتِيلَ ابْنِ مُلْجَمِ
عَلِيٌّ أَمِيـرُ المُؤْمِنِينَ وَمَنْ بَكَتْ                   لِمَقْتَلِهِ البَطْحَا وَأَكْنافُ زَمْزَمِ
وظَـلَّ لَهُ أُفـقُ الـسَّماءِ كَأَنَّهُ                    شـَقِـيقَةُ ثَوْبٍ لَوْنُها لَوْنُ عَنْدَمِ

*مجالس الأئمة المعصومين(ع) , سلسلة مجالس العترة, نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


1- القصيدة للشّيخ كاظم السّبتيّ رحمه الله.
2- كما في البحار ج42/224.
3- دموع زينب أبكت أمير المؤمنين عليه السلام بينما أجاب الحسن برباطة جأش. أقول: عزّ عليك سيّدي دموع زينب، لمّا رأتك مشقوق الرّأس، إذاً ليتك تراها يوم عاشوراء، عندما وقفت على أخيها الحسين عليه السلام تودّعه، وهو جثّة بلا رأس: تگله خويه:
أنا الصّار بيّه ومـــــا جـــــرى ابنــــــــاس تــــرى شــاهدتك جسد بالخيل تنداس
يخويه وتالي الوقت ودعتك بلا راس الــجـــسد والرّاس صارن لي ابمكانين
4- البحار: 42/290.
5- البحار: 42/294.

01-04-2013 عدد القراءات 1351



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا