1 حزيران 2020 م الموافق لـ 09 شوال 1441 هـ
En FR

المغترب :: فقه المغترب

أسباب الإغتراب عن الأوطان



كثيرة هي الأسباب التي تدعو الإنسان إلى التغرّب والبعد عن الأوطان، فمنها ما هو ماديّ، ومنها ما هو معنوّي، ونشير هنا إلى بعضها:

1- الاغتراب للتعلم: إن التعلم هو أول سبب من أسباب الإغتراب، وقد حثت بعض الروايات على السعي وراء العلم حتى لو كان بلاد بعيدة واستلزم المشقة والتعب والهجرة ومن هذه الروايات ما ورد عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلّم: "اطلبوا العلم ولو بالصين فان طلب العلم فريضة على كل مسلم"1.

2- الاغتراب للعمل: إن السعي وراء لقمة العيش هو سبب آخر من أسباب السفر والاغتراب، وهذا ما أشارت إليه بعض الروايات أيض، فعن أبي عبد الله جعفر الصادق عليه السلام قال: في حكمة آل داوود عليه السلام: "إن على العاقل أن يكون ظاعنا2 إلا في ثلاث: تزود لمعاد، أو مرمة لمعاش، أو لذة في غير محرم"3.

3- الاغتراب السياسي: هناك نماذج من الاغتراب والهجرة حصلت في التاريخ بهدف التخلص من الظالم وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿... فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ4.

ومن هنا لما طغت قريش وعتت ضد الإسلام والمسلمين وأفرطوا في تعذيبهم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم لأصحابه ومن آمن معه "لو خرجتم إلى الحبشة، فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجا ممّا أنتم فيه"5.

بين العصبية وحبّ الأوطان
قد يتخيل البعض أن الإنسان المحب للوطن يندرج في إطار الأناس المتعصبين، والذين ذمتهم الروايات الكثيرة، وقالت إنهم لن يدخلوا الجنة، إلا أنّه شتّان ما بين الأمرين إذ العصبية شيء وحب الأوطان شيء آخر، فالعصبية المنهي عنها هي الدفاع عن الوطن في الأمور السلبية، بحيث ترى المساوئ فيه محاسن، وحبّ الوطن ليس كذلك، لأن حب الوطن المزروع في فطرة الإنسان يدعوه عندما يرى أمرا مشينا فيه، أن يسعى لإصلاحه، ففي الرواية عن أمير المؤمنين عليه السلام: "عمرت البلدان بحب الأوطان"6، وقد كان الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلّم محبّا لوطنه حيث تنقل الروايات لنا حالة عاطفية مؤثرة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم، وعندما التقى بأبان وهو وصل من وطنه مكة حديثا فقال له: "يا أبان ! كيف تركت أهل مكة ؟ فقال: تركتهم وقد جيدوا7، وتركت الإذخر8 وقد أعذق، وتركت الثمام9 وقد خاص، فاغرورقت عينا الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم"10

التعرّب بعد الهجرة
ومعنى التعرب بعد الهجرة أن ينسلخ الإنسان عن معتقداته وأفكاره الدينية، ويبتعد عن الالتزام بالتكاليف الشرعية، بسبب الخروج من بلده إلى بلده يختلف معه في الدين والفكر والتقاليد والأعراف، والتعرب بعد الهجرة من المحرّمات، بل من كبائرها ففي الحديث عن الإمام أبي الحسن الرضا عليه السلام، فيما كتب من جواب مسائله: "وحرم الله التعرب بعد الهجرة للرجوع عن الدين، وترك الموازرة للأنبياء والحجج عليه السلام"11.

وفي رواية أخرى عن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: سمعته يقول: "الكبائر سبعة: منها قتل النفس متعمد، والشرك بالله العظيم، وقذف المحصنة، وأكل الربا بعد البينة، والفرار من الزحف والتعرب بعد الهجرة وعقوق الوالدين، وأكل مال اليتيم ظلم، قال: والتعرب والشرك واحد"12.

نعم، فالتعرب بعد الهجرة ما هو إلا اتخاذ الهوى والشيطان معبودين من دون الله عزّ وجلّ ولذلك عبر الإمام عليه السلام عنه بأنه والشرك أمر واحد .

وبما أن التعرب بعد الهجرة بهذا المستوى الخطير من البغض عند الله تعالى، فقد وردت الروايات عن أهل البيت عليهم السلام تنهانا عن السفر الذي يخشى فيه الإنسان على دينه وعبادته، ففي الرواية عن الإمام علي عليه السلام: "ولا يخرج الرجل في سفر يخاف على دينه وصلاته"13.

وحينما يجد الإنسان نفسه في بلد تتوفر فيها أسباب المعصية فعليه إن اراد البقاء أن يتجنب عما نهى الله عنه وحرّمه وهذا ما أجاب عنه سماحة الإمام الخامنئي دام ظله على جواز البقاء في الدول التي تتوفر فيها أسباب المعاصي كان جوابه مشروطا كالتالي:"لامانع من البقاء والعيش في نفسه في بلد تتوفر فيه أسباب المعاصي لا سيما إذا كان مضطرا إليه ولكن يجب عليه التجنب عما يحرم عليه شرع، ولا فرق في وجوب الالتزام بالتكاليف الشرعية من أداء الواجبات وترك المحرمات بين المكلف البالغ حديثا وبين سائر المكلفين"14.

هموم المغترب
بعد أن عرفنا مدى خطورة التزعزع والفتنة عن دين الله تعالى في البلاد التي لا تدين بدين الله تعالى، فسيتحمل المغترب همّا كبيرا في تلك البلدان ألا وهو الحفاظ على تدينه بالدرجة الأولى وعلى تدين أسرته وأطفاله، لأن البيئة السيئة غالبا ما تنتج الأفراد السيئين.

وبالإضافة إلى ذلك كله، فإنه قد ألقي على عاتق المغترب أمر آخر، ألا وهو التبليغ لدين الله تعالى ومحاولة لفت أنظار الآخرين إلى عظمة دين الإسلام وأهمية ونبل الرسالة التي أتى بها النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلّم، يقول الإمام الخامنئي دام ظله الوارف: "ويجب عليه هناك بعد التحفظ على دينه ومذهبه، القيام بالدفاع عن الإسلام والمسلمين، وبسائر ما يجب عليه من نشر الدين والأحكام وغير ذلك بقدر ما يتمكن".

وقد ورد في الرواية عن حمّاد بن عثمان قال: "قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إني أدخل إلى بلاد الشرك وإن من عندنا يقولون: إن مت ثمّ حشرت معهم، قال: فقال لي: يا حمّاد إذا كنت ثمّ تذكر أمرنا وتدعو إليه ؟ قلت: نعم، قال عليه السلام: فإذا كنت في هذه المدن مدن الإسلام تذكر أمرنا وتدعو إليه ؟ قال: قلت: ل، فقال لي: إنك إن مت ثمّ حشرت أمّة وحدك، يسعى نورك بين يديك".

* فقه المغترب، سلسلة الفقه الموضوعي، نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


1- وسائل الشيعة (آل البيت)، ج72، ص27.
2- أي مسافرا .
3- وسائل الشيعة ( آل البيت )، الحر العاملي، ج 11 ،ص 243
4- سورة آل عمران، الآية 195
5- مكاتيب الرسول، الأحمدي الميانجي ج 2 ص 449
6- ميزان الحكمة، محمدي الريشهري، ج 4 ص 3566
7- جيدوا: مطروا
8- الإذخر: نبات طيّب الرائحة
9- الثمام: واحدته ثمامة، نبت ضعيف لا يطول
10- ميزان الحكمة، محمدي الريشهري، ج 4 ص 3566
11- حياة الإمام الرضا (ع) الشيخ باقر شريف القرشي، ج1 ص 350
12- الكافي الشيخ الكليني ج 2 ص 281
13- وسائل الشعية، الحر العاملي، ج2 ص 249
14- أجوبة الإستفتاءات – السيد علي الخامنئي ج 2 ص 117

06-02-2013 عدد القراءات 8161



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا