25 تشرين الأول 2020 م الموافق لـ 08 ربيع الأول 1442 هـ
En FR

الأسرة والمجتمع :: كلمات وحقوق

مودة



﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً1 الكلمة المفتاح الثانية لسعادة الزوجين في القرآن الكريم هي "المودَّة" التي عرَّفها العلامة الطباطبائي "ره" في تفسير الميزان بـ "الحبّ الظاهر أثره في مقام العمل"2.

فالحبُّ عبارة عن الشعور بالميل إلى شيء يرى الإنسان فيه نوعاً من الكمال، كحبّ الابن، حبّ المال، حبّ السلطة، وحبّ الطعام...إلخ.

وقد يتحقق هذا الشعور الداخلي بدون أن يبرز بأي فعل أو تعبير من الإنسان، فحينها يكون حبّاًَ فقط. أما حينما يُترجم هذا الميل من خلال التعبير، بأن يقول المحبّ لمن أحبَّه: "إني أحبّك"، أو من خلال العمل كأن يهديه ما يرمز إلى حبّه، فإنه يسمَّى "مودة".

وحال الحبّ من المودَّة كحال الخشوع من الخضوع، فالخشوع هو نوع تأثُّر نفساني ناتج من العظمة، والخضوع هو تعبير عمليّ عن ذلك الخشوع كالركوع والسجود وما شاكل. وكذلك الحبّ فهو تأثُّر نفساني ناتج من الميل إلى شيء ما، والمودَّة هي تعبير عمليّ عن الحبّ.

واهتمام الإنسان بهذا الميل الذي قد يحتفظ به حيناً، وقد يبرزه حيناً آخر، جعله يكثر من المفردات اللغوية التي تدلُّ عليه، وإن اختلفت في بعض تفاصيل الدلالة، وقد أحصى البعض خمسين مفردة في لغة العرب تدلُّ على الحبّ أو تقارب معناه، نذكر منها عشرين مفردة هي:

11- الغرام
12- الهُيام
13- الولَه
14- الجَوى
15- السُّهد
16- الحنين
17- الوجْد
18- الخِلّة
19- الدَّنَق
20- الشوق

1- المحبة
2- الهوى 
3- الشغَف 
4- التَّيْم 
5- الصَّبْوة
6- الصَّبابة 
7- العشق
8- اللَّهْف
9- الفُتون
10- الودّ

وقد أعرضنا عن ذكر بقية الكلمات لأنها - كما هو الحال في بعض الذي مرَّ - ليست مرادفات للحب، بل من موجباته أو لوازمه أو درجاته أو ما شابه. وهذا يتّضح من خلال ما أفاد الثعالبي في فقه اللغة وسرّ العربية بأنّ الهوى أُولى مراتب الحبّ، والشغَف أن يبلغ الحبّ شغاف القلب وهي جِلدةٌ دونه، والتَّيْمُ هو أن يستعبده الحبّ، ومنه رجل متيّم...الخ3.

سبب الحبّ

إن كنت في سلامة وعافية وحريَّة، فطلبتُ منك أن ترفع يدك، فهل تستطيع ذلك؟
الجواب:
نعم.

وإن كنت قادراً على التكلّم بدون مانع، فطلبتُ منك أن تقول: "أنا موجود"، فهل تستطيع ذلك؟
الجواب: نعم.

ولكن إن كنت سليم النفس معتدل المزاج، فطلبت منك أن تحبَّ فلاناً، فهل تستطيع أن تفعل ذلك؟
هنا لا تستطيع أن تقول: "نعم" في كل الأحوال، لأنّ الحبَّ ليس أمراً اختيارياً كالحركة والتكلُّم، وإنما هو ميلٌ من النفس لا تُحرِّكه إرادة الإنسان واختياره، بل يحرِّكه شيء آخر هو كمال تدركه فيه، فتحبّه لأجل ذلك الكمال.

من هنا عرَّف الفيض الكاشاني المحبة من الإنسان بـ: "ميل النفس إلى الشيء، لكمال أدركته فيه"4.
إذاً سبب الحبّ هو الكمال الذي ينجذب إليه الإنسان.

أمّا سبب ميل الإنسان إلى الكمال فهو ينبع من الفطرة التي فطره الله تعالى عليها، والتي توجّهه منذ طفولته نحو الكمال، فتراه يحبُّ الكمال ويسعى نحوه ليتكامل في مسيرته.

الإنسان وحبُّ الكمال

تأمَّل في الإنسان منذ نعومة أظفاره تجده يسعى نحو هدف يعتقده كمالاً له، فالصغير في بداية نشأته قد يعتقد أنّ كماله يتحقق حينما يحبو، فيسعى جاهداً نحو الحبو، وحينما يحبو يعرف أنّ الحبو ليس كماله، فيسعى نحو السير على قدمين ظانّاً أنّ كماله في ذلك. لكنه حينما يمشي لا يجد ذلك الكمال، حينها ينشد أمراً آخر يحقق به كماله.قد يظنُّ أنه التكلُّم الذي يمتاز به الآخرون منه، لكنه حينما يتكلَّم يشعر أنّ ذلك الميل نحو الكمال ما زال يحثُّه على إيجاد كمال آخر.

هنا ينظر إلى كمالات الناس:

فينشدُّ ويميل إلى الناس أصحاب الكمال بنظره،
قد ينشدُّ إلى القوي، لأنه يرى الكمال في القوة.
وقد ينشدُّ إلى المشهور، لأنه يرى الكمال في الشهرة.
وقد ينشدُّ إلى الجميل، لأنه يرى الكمال في الجمال.
وقد ينشدُّ إلى العالِم، لأنه يرى الكمال في العِلم.
إنّه سرُّ ميل الإنسان وتعلُّقِه وحبِّه.

ولكن ليس كل ما يراه الإنسان كمالاً هو كمالاً حقيقيّاً، لذا حينما يصل إليه لا يشعر بالارتواء المتوقَّع، فالذي يظنّ أنّ المال يحقق كماله فإنه يسعى نحوه، إلا أنه حينما يصبح غنياً يشعر بفقر في داخله وميلٍ نحو كمالٍ آخر.

والذي يظنّ أنّ الجاه يحقّق كماله، يسعى نحوه، لكنه حينما يصبح وجيهاً، يبقى في ظمئه العاطفي. والذي يظنّ أنّ السلطة تحقِّق كماله، يسعى نحوها، لكنه حينما يصبح حاكماً يبقى في جوعه النفسي. لذا فإنّ السائر في طريق الكمال يتساءل: أين هو الكمال الذي فطرنا الله على حبِّه والميل إليه والسعي نحوه؟!

والجواب عن تساؤله هذا يحتاج إلى عودة إلى تلك الفطرة المغروسة لاستماع صوتها الصافي المتوجِّه إلى كمالٍ لا نقص فيه، يروي الظمآن، ويشبع الجوعان، ويجيب أولئك السائرين الحائرين بجوابٍ سطره سيد العارفين في عصرنا بقلمه المخاطب أولئك قائلاً: "يا أيُّها الهائمون في وادي الحيرة، والضائعون في صحاري الضلالات، بل أيتها الفراشات الهائمة حول شمعة جمال الجميل المطلق، ويا عشّاق الحبيب الخالي من العيوب، والدائم الأزلي، عودوا قليلاً إلى كتاب الفطرة، وتصفّحوا كتاب ذاتكم، لتروا أنّ الفطرة الإلهية قد كتبت فيه بقلم القدرة (وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض)5.

الله هو الحبيب الأول

من هنا، فمن أراد أن يروي ظمأ حبه وجوع عشقه فإنه لن يجد ذلك إلّا في التوجه إلى الله تعالى. وإلى هذا المعنى يرنو الإمام زين العابدين في قوله المتوجه به إلى الله تعالى: "إلهي... ما أطيب طعم حبِّك، وما أعذب شرب قربك!"6. "إلهي من ذا الذي ذاق حلاوة محبتك فرام منك بدلاً، ومن ذا الذي أنس بقربك فابتغى عنك حولاً؟!"7.

الله هو الميزان في الحبّ

بما أنّ الله تعالى هو الكمال المطلق الذي ينشده محبُّ الكمال الحقيقي، فإنَّ حبَّ غيره عزّ وجلّ ينبغي أن يُقاس على أساس مدى قربه منه سبحانه، فيكون الله تعالى هو الميزان في حبِّ الآخرين.

وهذا ما أرشد إليه الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في أحاديث عديدة منها:
"إنّ أوثق عرى الإسلام أن تحبَّ في الله، وتبغض في الله"8.
"أفضل الأعمال الحبُّ في الله، والبغض في الله"9.
"المودَّة في الله أقرب نسب"10.
"المودَّة في الله آكد من وشيج الرحم"11.

الأحبُّ من الناس أكملهم

بما أنّ مقياس حبِّ غير الله هو مدى قربه من الكمال المطلق، فينبغي أن يكون الأكمل بين الناس هو أحبّهم إلى قلب المؤمن. لذا ورد عن أكمل الخلق وسيدهم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين"12.

وقد أكَّد القرآن الكريم على هذا الأمر في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ13.

مودَّة القربى عليهم السلام

وبما أنّ الأكمل بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هم أهل بيته الطاهرون عليهم السلام ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم قوله: "لا يؤمن عبد حتى أكون أحبَّ إليه من نفسه، وتكون عترتي أحبَّ إليه من عترته"14، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يتمُّ الإيمان إلا بمحبَّتنا أهل البيت"15.

هذا غيض من فيض الروايات الواردة في حبِّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وأهل بيته عليهم السلامعند جميع المسلمين حتى عُدَّ ذلك من ضروريات الدين. إلا أنَّ اللافت في موضوع حبّ أهل البيت عليهم السلام هو الآية القرآنية: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا المودَّة فِي الْقُرْبَى16، وذلك من ناحيتين:

الأولى: أنّ مودَّة القربى جعلها الله تعالى مقابل أجر جهد خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم الذي لم يؤذَ نبي مثل ما أوُذي.
الثانية: أنَّ التعبير في الآية لم يكن بعنوان الحبّ، بل المودَّة التي تعني كما تقدّم: الحبّ الذي يظهر أثره في مقام العمل، فيكون حبًّا ناطقاً من خلال التعبير أو العمل مما يضفي الصدقيَّة في علاقة المؤمن في الله وأهل بيت رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

مودَّة المؤمن

أراد الله تعالى أن يتجلَّى الحبُّ في الله في علاقة المؤمنين بعضهم ببعض من خلال العمل، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ودُّ المؤمن للمؤمن في الله من أعظم شُعَب الإيمان"17، فربط التنويه العظيم للمودَّة بالإيمان نابع من دور هذه المودَّة في تكامل الإنسان نحو الله تعالى، وهذا بخلاف مودَّة الشخص الذي لا ترتبط مودَّته بهذا التكامل، فإنَّ مودته لا تكون في محلّها الصحيح، وهذا ما أشار إليه أمير المؤمنين عليه السلام: "لا تبذلنَّ ودَّك إذا لم تجد موضعاً"18.

مودَّة الزوجين

في إطار التكامل الإنساني، ولتحقيق سعادة الزوجين ركَّز القرآن الكريم على المودَّة بينهما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً...19. لكنْ رُبَّ تساؤل يَرِدُ حول هذا التعبير القرآني الذي يفيد جعل المودَّة بين الزوجين، والمودَّة - كما مرَّ- هي الحبّ الظاهر أثره في مقام العمل، والحبّ، كما تقدّم سابقاً ليس اختيارياً، وعليه:

أ- إن كان الجعل جعلاً تكوينيّاً قهريّاً من الله بحيث لا يمكن أن يتخلّف عن إرادته تعالى، فهذا الأمر يتنافى مع الواقع، لأنّ معناه أنَّ كل زوجين بينهما مودَّة فعلاً بالقهر والتكوين والجبر، مع أنّ حال العديد من الأزواج ليس كذلك، إذ في بعض الحالات الزوجية لا نلحظ ذلك الحب فضلاً عن المودَّة.

ب- وإن كان الجعل تشريعيّاً كجعل الصلاة والجهاد بحيث يكون اختياريّاً للإنسان يمكن له فعله، ويمكن عصيانه، فكيف يتلاءم هذا المعنى مع كون الحبِّ غير اختياري؟ والجواب أنَّه يمكن أن يكون الجعل في الآية جعلاً اختيارياً بأن يكون المراد بأنَّ الله تعالى يريد من الزوجين تشريعاً أنْ يحقِّقا المودَّة بينهما، وهذا لا يتنافى مع كون الحبّ غير اختياري، وذلك لما ذكرناه سابقاً من أنَّ الحبّ هو ميل القلب إلى أمرٍ يرى الإنسان فيه نوعاً من الكمال، وعليه فيمكن في كلٍّ من الزوجين حينما يظهر منه ما يراه الآخر كمالاً، أن ينجذب إليه فيحبّه، وبالتالي يمكن أن يودّه.

وبعبارة أخرى يمكن للإنسان أن يحقِّق ما يصنع الحبّ والمودَّة ليجذب الآخر إليه. وبهذا نجيب عن سؤال يتعلق بمدى ضرورة الحبّ قبل الزواج، فإنّ تحقيق الحبّ والمودَّة بعد الزواج أمر متاح لا سيَّما للعاقل الحكيم الملتفت إلى ما مرَّ، فما هي الأمور التي يمكن لها أن تحقِّق الحبّ والمودَّة بين الزوجين؟

ما يحقِّق المودَّة

لن ننطلق في الجواب من تأمّل أو تجربة، بل سنفتح باب أهل العصمة عليه السلام الذين اختصروا لنا برنامج السعادة، فذكروا فيه أموراً جالبة للمودَّة بين الزوجين، وهي:

1- لغة الجسد
من أبرز المؤثِّرات في العلاقة بين الناس، التعابيرُ الجسدية، التي يعجز اللسان في الكثير من الحالات عن تحقيق الهدف ببيانه إذا لم يُساعده الجسد في لغته، فلو حلَّ عليك ضيف، وقلت له مئة مرة: "أهلاً وسهلاً" و "شرفتمونا" و: "نوَّرت الدار"، ومثل ذلك من التعابير الجميلة، ولكنك كنت متجهِّماً عابس، فإنَّ الضيف سيكون منزعجاً من هذا اللقاء، وإلى هذا المعنى يرنو المثل المشهور بالعامية: "لاقيني وما تطعميني".

ولعلَّ وجه الإنسان هو الأقدر بين أعضاء الجسد على التعبير الموصل للهدف، فبشاشة الوجه، والنظرة المليئة بالحبّ والعاطفة كفيلان بجلب حبِّ الاخر ومودَّته. من هنا ورد عن الإمام علي عليه السلام: "...البشاشة حِبالة المودَّة..."20، "...والبشاشة فخ المودَّة"21 فابتسامة الزوج لزوجته، وابتسامتها له، أوَّل الاستقبال وبعده، هما مفتاح المودَّة، وبالتالي السعادة الزوجية.

وقد أخبر الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنَّ تقرَّب الزوجين من بعضهما بلغة الجسد هو محلٌّ ومهبطٌ لرحمة الله تعالى، فعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا نظر العبد إلى وجه زوجه، ونظرت إليه نظر الله إليهما نظرة رحمة، فإذا أخد بكفِّها وأخذت بكفِّه تساقطت ذنوبهما من خلال أصابعهما"22.

2- الكلام الجذَّاب
حينما يتفاعل اللسان مع الجسد في التعبير الإيجابي، فإنَّ لذلك أثراً كبيراً في حصول الهدف. من هنا أكدَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام على أمرين:

أ- التعبير العاطفي
فعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "قول الرجل للمرأة (إنِّي أحبكِ)، لا يذهب من قلبها أبداً"23. إنَّها دعوة للتعبير عن الحبِّ من ناحية، وإنَّه بيان للواقع العاطفي للمرأة التي تُحقِّق كلمة أحبّك فيه غرساً مجذَّراً في بستان قلبها يحتاج إلى تغذية مستمرة بالتعبير الدائم عن الحبّ، فالمرأة مهما كبرت في عمرها تبقى تشعر بالحاجة إلى استماع كلمات الحبّ من زوجه، بل نجد المرأة كثيراً ما تسأل زوجها: هل تحبّني؟ لتسمع منه أعذب كلمة إلى قلبها.

وفي المقابل فإنَّ الحياة الزوجية الخالية من تعابير الحبّ قد تُصبح مهدَّدة بالسقوط أو الانحراف، فقد لاحظت خلال بعض المراجعات الاجتماعية في علاقة الزوجين أنّ الزوجة غير المحصَّنة التي تعاني من جفاف زوجها العاطفي، قد تضعف –والعياذ بالله- أمام بعض الرجال الذين تلامس منهم عاطفة لا تجدها في زوجه، مما يؤدِّي إلى أمور لا تُحمد عقباها.

إنَّ هذا الأمر يُلقي بظلاله على أهمية التعبير العاطفي، الذي ينبغي أن يلتفت إليه الزوج، ولو كان في بداياته من باب التطبُّع لا الطبيعة. وهذه رسالة إلى الجافِّين عاطفياً الذين لم يعتادوا في حياتهم على التعبير العاطفي، مع أنَّ بعضهم قد يكون في داخله خزَّان عاطفة، إلا أنَّها موصدة بباب أحكمته التربية الخاطئة أو الظروف غير الملائمة أو توهّم أنّ هذا التعبير غير ملائم له.

قصة طريفة

هذا الموضوع يذكِّرني بما حدث معي في قصة زوجة أرادت الطلاق من زوجه، وبعد حوار طويل وتعدّد الأسئلة عن سبب ذلك أجابت: إنِّي لا أعرف ما إذا كان يُحبُّني، لأنه لم يقل لي ولو مرة واحدة: "إنِّي أُحبّك". وحينما سألت زوجها: هل تحبُّها؟ أجاب: نعم، وحينما سألته ثانياً: هل قلت لها ذات مرة: "إني أحبّك"، فاستنكر قائلاً: "أنا لم أعد ولداً حتى أقول لها ذلك" !!!

ب- التعبير اللطيف

إضافة إلى التعبير العاطفي، فإنَّ لأدب العبارات ولطافتها دوراً في جذب قلب الزوجة وحبّه، وكذلك العكس، فقد ورد عن الإمام زين العابدين عليه السلام:"القول الحسن يثري المال، وينمِّي الرزق، وينسي في الأجل، ويحبِّب إلى الأهل، ويدخل الجنة"24.

نصيحة

ومن المفيد في هذا المقام اللَّفْت إلى أهمية سلوك الزوحين. في تعابيرهما من بداية الأمر سلوك اللطافة والأدب، ليستمر ذلك في حياتهما. فلو كان أحد الزوجين لا يُحسن في حياته لطافة التعبير، فإنَّه في بداية العلاقة ومن باب التطبُّع لن يُظهر ذلك للآخر، إلا أنَّ التطبُّع لا يستمر في الحياة الزوجية عادة، فينتقل الأمر إلى الطبيعة. وهنا يمكن للزوجين أن يتساعدا لإبقاء اللطافة في التعبير وعدم السماح للغضاضة فيه أن تعكِّر صفو حياتهم، فالإصرار على التطبُّع قد يحوِّله إلى طبيعة.

3- الهدية
من الأمور التي تجلب الحبَّ والودَّ بين الزوجين الهديَّة، فعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "الهدية تورث المودَّة..."25. وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "تهادوا تحابوا..."26. وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "تهادو، فإنَّ الهديَّة تضعِّف27 الحبّ، وتذهب بغوائل الصدور"28. وعن الإمام علي عليه السلام: "الهديَّة تجلب المودَّة"29. وفي بعض الروايات تأكيد على الهديَّة من قبل الزوج المسافر، فعن الإمام الصادق عليه السلام: "إذا سافر أحدكم فقدم من سفره فليأت أهله بما تيسَّر..."30، ولعلَّ ذلك لأن الزوجة حينما يسافر زوجها تعتريها بعض الأفكار حول زوجه، لا سيَّما ما ينبع من غيرتها عليه، لذا حينما يرجع إليها بهديَّة، فإنّها تعني لها أنه كان في سفره ذاكراً لها غير ناسِ، فلم يشغله عمله أو علاقاته عن التفكير به، وهذا ما يؤكِّد لها مودَّته ويزيد في سعادتها. وهذا الأمر غير مرتبط بالقيمة المادية للهديّة، بل بالبعد المعنوي له، من هنا ورد في ذيل الرواية الأخيرة "ولو بحجر"، ولعلّ المقصود منه حجر من الأحجار الكريمة.

4- الكرم والسخاء

ذكرت سابقاً أنَّ الحبَّ ينشأ من كمالٍ يعتقده الحبيب في محبوبه، ومن جملة الكمالات الإنسانية الكرم، فهو يشدُّ الإنسان إلى من تحلَّى بصفته، لذا ورد عن الإمام علي عليه السلام: "الجواد محبوب مودود"31، وعنه عليه السلام: "السخاء يكسب المحبة ويزيِّن الأخلاق"32.

5- حسن الخلق

إنَّ أهمّ أسباب المودَّة لا سيَّما بين الزوجين هو حسن الخُلُق الذي يقع في رأس القيم التي أكَّد عليها الإسلام، فعن الإمام الصادق عليه السلام: "حسن الخُلق مجلبة للمودة"33، وعن الإمام علي عليه السلام: "حسن الخلق يورث المحبَّة ويؤكِّد المودَّة"34.

وفي الفصل الثالث الآتي - بإذن الله تعالى - سنتحدث عن التطبيقات العملية لهذه القيمة الكبيرة. هذه جملة من العناوين الواردة في الروايات الواردة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام في مقام بيان ما يجلب المودَّة بين الزوجين.

ثمرة المودَّة

إنّ أهمّ ثمرة للمودّة في الحياة الدّنيا هي سعادةُ الأسرة، فهي تجلب السكينة بين الزوجين، وتعزّز علاقة القربى بين الأبناء، وتبعدهم عن المشاكل النفسية لا سيَّما تجاه بعضهم البعض وهذا ما أشار إليه الإمام علي عليه السلام بقوله: "مودَّة الآباء قرابةٌ بين الأبناء"35.

وهذا الأمر أكَّدته دراسة أجراها مركز الأبحاث الاقتصادية والاجتماعية في بريطانيا نقلتها "دايلي مايل" عام 2011 تخلص إلى أنّ المؤشر الأهمّ لسعادة الأولاد هو العلاقة الحسنة بين الوالدين، حيث إنّ الأطفال الذين عاشوا مع أم وأب تربط بينهما علاقة حسنة، كانوا الأكثر سعادة36.

عقبات على طريق المودَّة

إنّ المودَّة من النعم الإلهية التي على كلٍّ من الزوجين أن يحافظ عليها، وذلك بتجنّب عقبات قد تفسد هذه المودَّة. وحول هذه العقبات يمكن الحديث عن بعض العناوين الأساسية التي أكَّدت عليها مدرسة أهل البيت عليهم السلام وهي:

التراكمات السلبية
قد يصدر عن الزوج أو الزوجة بعض التصرّفات المزعجة للآخر، والتي قد تؤثِّر في توجِّهه القلبي نحوه، فكيف تُواجَه هذه التصرُّفات؟
قد يعتقد البعض أنّ التحمّل والسكوت هو الأفضل مستفيداً من الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة الداعية إلى الصبر، فهل التحمُّل والسكوت هو الموقف الصحيح؟

لمعرفة الجواب ينبغي أن نلاحظ أمرين:
الأول: أنَّ الصبر لا يعني مجرَّد السكوت، بل هو نوع من التحمُّل ومقاومة الضغوطات لأجل إكمال السير التكاملي، فكم من سكوتٍ لا يُعدُّ صبراً بالمفهوم الإسلامي، لأنه يضعِّف الساكت ويقوِّي الطرف الآخر.

الثاني: أنَّ السكوت والصمت وعدم التحرُّك كثيراً ما يؤدِّي إلى تراكم قلبي سلبي قد يصل بالإنسان في نهاية المطاف إلى حدِّ الانفجار المفاجئ.

فالذي ينزعج من تصرُّف الآخر، ولا يصارحه في ذلك، ثم ينزعج من تصرُّف ثانٍ، ولا يصارحه أيضاً، وهكذا، فإنّ ثمَّت ضغائن في قلبه تتراكم وتتراكم حتى تصل إلى مرحلة النفور. بل قد يؤدّي هذا التراكم إلى مرضٍ نفسيٍّ لدى حامله هو عبارة عن تحليلٍ لتصرُّفات الآخر تحليلاً تركيبياً يقوده إلى سوء الظن والاتهامات.

في مثل هذه الحالة قد نسمع فجأة بانقلاب في تعامل صاحب التراكمات مع الآخر بسبب حادث بسيط. وحينما يسمع الناس بما حصل يتعجبون، لأنهم يرون ذلك الحادث لا يدعو إلى هذا الانقلاب في العلاقة. ولكنَّ هؤلاء لا يدركون أنّ ذلك الحادث ليس هو السبب، بل السبب الحقيقي هو التراكمات القلبية السابقة التي فجّرها ذلك الحادث الصغير، فالقصة كما يقول المثل العامي المشهور "ليست قصة رمَّانة، بل هي قصة قلوب مليانة".

من هنا فإن الحلَّ المناسب عند صدور التصرُّف المزعج عن أحد الزوجين هو المصارحة من أول الأمر في جوٍّ هادئ لا تشنُّج فيه، فإنّ هذا النوع من المصارحة والعتاب البنَّاء يغسل القلب من درن الضعينة، وتبقى المودَّة حيَّة بين الزوجين، وهذا ما أشار إليه أمير المؤمنين عليه السلام بقوله: "العتاب حياة المودَّة"37.

الغَيرة السلبية

الغيرة تعني تغيُّر الإنسان من حالته المعتادة إلى حالة ردَّة الفعل عند تعدِّي الغير إلى ما يحترمه ويعتقد أنَّه يتعلق بكرامته من دين أو عرض أو غير ذلك. وهذه الصفة مفطورة مغروسة في كلّ إنسان، لكنّها بحاجة إلى تهذيب ومتابعة38.

وقد امتدحت النصوص الإسلامية أصل هذه الصفة بما لها من إيجابيات اقتضت زرعها الفطري، فعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّي لغيور، والله عزَّ وجل أغير منِّي، وإنَّ الله تعالى يحبُّ من عباده الغيور"39.

ومن الواضح أنّ نسبة الغيرة إلى الله تعالى هي مدح لها بغضِّ النظر عن تعلُّقها بالرجل أو المرأة، إلا أنَّ ذلك لا يعني أنَّ إيجابياتها وكيفية تهذيبها في كلٍّ منهما في درجة واحدة.

غيرة الرجل ممدوحة

إضافة إلى ما مرَّ دعا النبيُّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم الرجال إلى أن يتحسَّسوا كرامة المرأة، ويشعروا بأن أيَّ تعرُّض سلبي لها لا بُدَّ أن يواجه -على الأقل- بالشعور بالغيرة، من هنا ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "كن غيور، فإنَّ الله يحبّ الغيور"40، وعن الإمام علي عليه السلام: "غيرة الرجل إيمان"41.

ومقابل مدح الغيور ذمَّ الإسلام الدّيُّوث الذي لا يشعر بأدنى غيرة على كرامة المرأة، مبيِّناً مصيره الوخيم، فعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "إنَّ الجنَّة لتوجد ريحها من مسيرة خمسمئة عام، ولا يجدها عاقّ، ولا دَيُّوث"، قيل يا رسول الله، وما الدّيُّوث؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: "الذي تزني امرأته ويعلم بها"42.

كما ذمَّ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أولئك الذين يرضون بخروج نسائهم أمام الرجال الأجانب متزيِّنات متعطِّرات، فورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "المرأة إذا خرجت من باب دارها متزيِّنة، متعطِّرة، والزوج بذلك راضٍ بُني لزوجها بكلِّ قدم بيت في النار"43.

لكنَّ لغيرته حدوداً

رغم المدح المتقدِّم للغيرة إلا أنّ الروايات الشريفة دعت إلى عدم إطلاقها كيفما كان، فالزوجة بشكل عام تحبُّ من زوجها مقداراً من الغيرة عليه، إلا أنَّ تلك الغيرة حينما لا تكون في موضعها كأن تنطلق من اتهام غير مُسوَّغ للمرأة بشرفها وعرضه، فإنَّ هذه الغيرة تصبح في الدائرة السلبية التي حذَّر منها أمير المؤمنين عليه السلام قائلاً: "إياك والتغاير في غير موضع الغيرة، فإنَّ ذلك يدعو الصحيحة منهن إلى السقم"44. فالإمام علي عليه السلام يُفيد أنّ الغيرة في مثل هذه المواقع قد تؤدِّي خلاف غرضها الذي أراده الله تعالى، فبدل أن تحصِّن المرأة قد تكون سبباً لانحرافه، وعلى الأقلّ قد تكون سبباً للسمعة السيئة لها بسبب تلك الغيرة، من هنا ورد عن الإمام علي عليه السلام أيضاً: "لا تكثر الغيرة على أهلك فترمى بالسوء من أجلك"45.

غيرة المرأة
إنّ الموقف من غَيرة الزوجة على زوجها لا بُدَّ أن يراعى فيه منشأ غيرته، فقد يكون منشؤها الحبّ الذي أشار إليه الإمام الصادق عليه السلام حينما سأله أحدهم: المرأة تغار على الرجل، تؤذيه؟ فأجاب عليه السلام:"ذلك من الحبّ"46. فإذا كان الحبّ هو المنشأ الأساس فينبغي للمرأة أن تراعي عدم خروج الغيرة عن دائرة الكمال الذي هو أساس الحبّ كما ذكرنا سابق، وبالتالي عليها أن لا تجعل غيرتها منغِّصة للحياة الزوجية، فتصبح كالمرافق المزعج الذي يحبس أنفاس مرافقه، فيشعر كأنَّه يتحرك بين أسلاك كهربائية ضيِّقة.

فإذا أصبحت المرأة كذلك، فلا بُدَّ من البحث عن منشأ آخر لهذه الغيرة، وهو ما أشارت إليه بعض الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام، فعن الإمام الباقر عليه السلام: "غيرة النساء الحسد"47. وتوضيح ذلك أنَّ المرأة حينما تغار على زوجها من امرأة أخرى فما هو منشأ غيرتها التي تخرج عن دائرة الحبّ الطبيعي؟

إنَّه اعتقادها أنَّ المرأة الأخرى فيها شيء كمالي قد جذب زوجها إليها وهو مفقود فيه، لذا فهي ترغب أن يزول ذلك الكمال منها ليكون فيه، وهذا هو عين الحسد.

وبما أنَّ معطي الكمالات هو الله تعالى، فإنَّ هذا الحسد يحمل خلفيّة عقائديَّة خطيرة هي الاعتراض على الله تعالى في ما قسمه بين الناس، من هنا أكمل الإمام الباقر عليه السلام حديثه السابق "غيرة النساء الحسد، والحسد أصل الكفر، إنَّ النساء إذا غرن غضبن، وإذا غضبن كفرن، إلا المسلمات منهنّ"48.

وحتى تكون المرأة ممن استثناه الإمام الباقر عليه السلام فعليها أن تهذِّب نفسها من هذا المرض، ولو بأن تصبر على عدم خروج الغيرة إلى مجال التعبير الذي يحوِّل الحياة الزوجية إلى شقاء. وهذا هو الامتحان الكبير للمرأة الذي نجحت فيه زوجة ذلك الرجل الذي مدح زوجته وأثنى عليها أمام الإمام الصادق عليه السلام، فسأله عليه السلام: "أغرتها؟" قال:ل، قال عليه السلام: "فأغرها". فإذا بذلك الرجل يجرِّب، فأغاره، فثبتت، فرجع إلى الإمام الصادق عليه السلام وقال له: إني قد أغرتها فثبتت، فقال عليه السلام منوِّهاً بها: "هي كما تقول"49.

نعم إن استطاعت المرأة أن تتغلَّب بعقلها وإيمانها على غيرتها السلبية تكون قد حازت على ذلك الأجر الكبير الذي ورد عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "كُتِبَ الجهاد على رجال أمتي والغيرة على نسائه، فمن صبرت منهنّ واحتسبت أعطاها الله أجر شهيد"50.

ظهور العيوب

من الأمور المهمة التي ينبغي للزوجين أن يلتفتا إليها ويعملا على أساسها، أنّ الإنسان خارج دائرة الاستثناء الإلهي، ليس خالياً من العيب، لذا فإنَّ حبّ الزوج أو الزوجة -كما تقدم- نابع من جهة كمالية لاحظها المُحبّ، وهذا لا يعني وجود جهات نقص أو عيوب أُخرى قد لا تُلحظ في الحبيب.

انكشاف العيب

هذا الأمر قد يبدو واضحاً حينما يقع الإنسان في حبالة الحبِّ في بداية التعارف ويتطوَّر الأمر إلى درجة العشق الذي ورد أنَّه مأخوذ في اللغة من العشقة وهي نبتة تلتفّ على الشجرة من أصلها إلى فرعه، وتحيط بها51، وكذلك العشق يحيط بمجامع القلب.

في مرحلة العشق هذه قد لا يُلاحظ الإنسان في الحبيب عيباً أو نقص، لأنّ عين العشق تتغلَّب على عين الحسّ والعقل، وكما يقول أمير المؤمنين عليه السلام: "من عشق شيئاً أعشى بصره، وأمرض قلبه، فهو ينظر بعينٍ غير صحيحة، ويسمع بأُذنٍ غير سميعة"52. إلا أنَّ هذا الأمر قد يتغيَّر بعد الزواج، ويعود النظر إلى العين الصحيحة، والسمع إلى الأذن السميعة، وفي هذا الموقع عليه الالتفات على أن لا يؤثِّر ذلك في نظرته إلى الآخر بأن يحذر من تحوِّلها إلى نظرة سلبية. لأجل ذلك عليه أن يركِّز فكره ونظره إلى الجوانب الإيجابية الكمالية التي تُحافظ على الحبّ وتديمه، وبهذا يكون واقعياً في حبِّه وعلاقته، وإلا فإنه لن يجد زوجة بلا عيوب، ولن تجد زوجاً كذلك، وهذا يسري على سائر العلاقات الاجتماعية الأخرى كالصداقة التي ورد قول الإمام الصادق عليه السلام فيها: "من لم يؤاخ إلا من لا عيب فيه قلَّ صديقُه"53، وكما ورد عنه عليه السلام: "لا تطلب من الدنيا أربعة، فإنك لا تجدها وأنت لا بدَّ لك منها:...وصديقاً بلا عيب، فتبقى بلا صديق"54.

قصة طريفة

ذكر أحدهم قصة تؤكد أنَّ تركيز الإنسان على الجوانب الكمالية عند الآخر يولِّد الحبّ، وبالتالي المودَّة، حتى لو كان الآخر فيه سلبيات عديدة.

وخلاصة القصة أنَّ امرأة اكتشفت بعد زواجها عيوباً عديدة في زوجه، فاغتاظت منه كثير، وقرَّرت أن تلقِّن زوجها أقسى درس في حياته، وحينما استشارت طبيباً نفسياً سائلة إياه عن أسوأ عمل يُغيظ زوجه، أجابها: عليك أن تظهري حبَّك له، ليتعلق بك تعلّق العاشق الواله بمعشوقته، وحينما يصل إلى هذه الدرجة أطلبي منه الطلاق، فإنك ستلحقين به حينئذٍ أقسى عقوبة له.

أُعجبت الزوجة بالفكرة، وبدأت بسلوكٍ إيجابي مع زوجها. وحتى تحرز تعلُّق زوجها بها وتكون طبيعية أو شبه طبيعية في تعاملها ركّزت على الجوانب الإيجابية في شخصيته، وبالفعل اشتدَّ تعلُّق زوجها به، وحينما وصل في حبِّه لها إلى مرحلة العشق وخرق حبُّها شَغاف قلبه، رجعت إلى ذلك الطبيب وأخبرته بالنتيجة، فقال لها: إذاً الآن أطلبي منه الطلاق. لكنّ المفاجأة كانت أن غضبت منه قائلة: إني أصبحت عاشقة له، فكيف أطلب الطلاق!!!

كشف العيب

وإذا لم يلتفت الزوج أو الزوجة إلى ما تقدَّم قد يقع في مشكلة أكبر، بأنْ يصبح مفتِّشاً عن العيوب متتبعاً خفيَّاته، فعندها سيبتعد عن السعادة التي أرادها من خلال الزواج، ولن تحصل المودَّة التي أراد الله أن تُخيِّم وتظلِّل الحياة الزوجية، فعن الإمام علي عليه السلام: "من تتبّْع خفيَّات العيوب حرمه الله مودَّات القلوب"55.

الاستهزاء بالعيب

والأخطر مما مضى أن يستخدم أحدهما ما اطلع عليه من عيب موضعاً للاستهزاء والسخرية، فهذا سيوقعه في ما حرَّم الله تعالى، ويحرم من المودَّة الجالبة للسعادة، فقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: "لا يطمعنَّ... المستهزئ بالناس في صدق المودَّة"56.

سوء الخلق

من أهم الأمور التي تفسد المودَّة، وتجعل الحياة الزوجية تعيسة، سوءُ خلُق أحد الزوجين، فإنَّ سوء الخلق ينفِّر الآخر ويبعده، فعن الإمام علي عليه السلام: "من ساء خلقه قلاه مصاحبه ورفيقه"57. لذا ورد عنه عليه السلام:"بحسن العشرة تدوم المودَّة"58.

* السعادة الزوجية في ثلاث كلمات، الشيخ أكرم بركات


1- سورة الروم، الآية 31.
2- الطباطبائي، محمد حسين، تفسير الميزان، ج16، ص166.
3- أنظر، الثعالبي، عبد الملك، فقه اللغة، وسر العربية، تحقيق حمد وطمَّاس، ط10، بيروت، دار المعرفة، 2004م، ص 213، 214.
4- الفيض الكاشاني، محمد بن مرتضى، تفسير الصافي، ط2، طهران، مكتبة الصدر، 1416هـ، ج1، ص 326.
5- الخميني، روح الله، منهجية الثورة الإسلامية، (لا، ط)، طهران، مؤسسة نشر آثار الإمام الخميني، (لا، ت) ص 7.
6- الإمام زين العابدين، علي بن الحسين، الصحيفة السجادية، تحقيق السيد محمد باقر الموحد الأبطحي الأصفهاني، ط1، نمونه قم، مؤسسة الأنصاريان للطباعة والنشر 1411 هـ، ص 418.
7- المصدر السابق، ص 413.
8- الريشهري، محمد، ميزان الحكمة، تحقيق دار الحديث، ط1، دار الحديث، ج1، ص514.
9- المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج66، ص 252.
10- الآموي،عبد الواحد، غرر الحكم ودرر الكلم، ترتيب عبد الحسن دهيني، ط1، بيروت، دار الهادي، 1413ه، ص 65.
11- المصدر السابق، والمراد من وشيج الرحم أي اشتباكُه، فالرحم الواشجة هي المشتبكة.
12- الريشهري، محمد، المجتبى في الكتاب والسنَّة،( ل،ط)، بيروت، دار الحديث، 2000م، ص 136.
13- سورة التوبة، الآية 24.
14- المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج17، ص13.
15- المصدر السابق، ج36، ص 322.
16- سورة الشورى، الآية 23.
17- الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج2، ص 125.
18- الريشهري، محمد، ميزان الحكمة، ط1، تحقيق دار الحديث، ج1، ص497.
19- سورة الروم، آية 21.
20- المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج71، ص 167.
21- المصدر السابق، ج75، ص39.
22- زيد بن علي، مسند زيد بن علي، (ل،ط)، (ل،ت)، دار مكتبة الحياة، بيروت، ص 302.
23- الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج5، ص 569.
24- المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج68، ص 310.
25- المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج74، ص 166..
26- الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج5، ص144.
27- أي تضاعف.
28- المتقي الهندي، كنز العمال، مؤسسة الرسالة، بيروت لبنان، ج6، ص111.
29- الريشهري، محمد، المحبة في الكتاب والسنة، ص79.
30- المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج12، ص 11.
31- الريشهري، محمد، المحبة في الكتاب والسنة، ص 71.
32- الريشهري، محمد، ميزان الحكمة، ج2، ص1277.
33- الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج1، ص27.
34- الريشهري، محمد، المحبة في الكتاب والسنة، ص66.
35- الإمام علي، نهج البلاغة.
36- جريدة السفير اللبنانية، العدد 11856، 6 نيسان 2011.
37- الواسطي، علي بن محمد، عيون الحكم والمواعظ، تحقيق حسين الحسيني البيرجندي، ط1، (ل،ت)، دار الحديث، ص 39.
38- أنظر: الطباطبائي، محمد حسين، تفسير الميزان، ج4، ص 175.
39- الريشهري، محمد، ميزان الحكمة، ج3، ص 2342.
40- الهندي، المتقي، كنز العمال، تحقيق بكري حياني، (ل،ط)، مؤسسة الرسالة، بيروت، ج15، ص 876.
41- الريشهري، محمد، ميزان الحكمة، ج3، ص 2343.
42- الصدوق، محمد بن علي، من لا يحضره الفقيه، ج3، ص 444.
43- المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج 103، ص 249.
44- الحر العاملي، محمد حسن، وسائل الشيعة، ج20، ص 237.
45- الفيض الكاشاني، المحجّة البيضاء تحقيق محمد تقي الحسيني،(ل،ط)، دار المحجة البيضاء،(ل،ت)، ج3، ص 103.
46- الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج5، ص 506.
47- المصدر السابق، ص 505.
48- المصدر السابق نفسُه.
49- الريشهري، محمد، ميزان الحكمة، ج3، ص 2344.
50- المغربي، القاضي النعمان، دعائم الإسلام، تحقيق آصف بن علي أصغر فيضي، ط2، القاهرة، دار المعارف، (ل،ت)، ج2، ص 217.
51- الجزائري، نعمة الله، الأنوار النعمانية، (ل،ط)، بيروت، الأعلمي، (ل،ت) ج3، ص 166.
52- الإمام علي، نهج البلاغة، جمع الشريف الرضي، ط2، دار الهادي، بيروت، 1424ه، خطبة 109، ص 250.
53- المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج75، ص 278.
54- السبزواري، محمد، معارج اليقين في أصول الدين، تحقيق علاء آل جعفر،ط1، مؤسسة آل البيت، قم، 1410ه، ص 510.
55- الريشهري، محمد، ميزان الحكمة، ج3، ص 2208.
56- الصدوق، محمد بن علي، الخصال، تحقيق علي أكبر غفاري، (ل،ط)،قم، 1403ه، ص 434.
57- الواسطي، علي بن محمد، عيون الحكم والمواعظ،، ص 437.
58- الريشهري، محمد، ميزان الحكمة، ج3، ص 1980.

01-02-2013 عدد القراءات 21487



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا