18 تشرين الأول2017 الموافق لـ 27 محرّم 1439هـ
En FR

نهج البلاغة :: دروس من نهج البلاغة

العبادة-



لزوم العبادة
نجد أن الإمام عليه السلام فيما روي عنه في نهج البلاغة يشير إلى لزوم العبادة ويؤكد عليها لاعتبارات عدة:

الأول: وقد مر ذكره ببيان أن العباد مقهورون ومجبرون ومضطرون إلى العبادة شاؤوا أم أبوا فإن لم يعبدوا اللَّه كانوا عبيداً لغيره وهم في هذا لا يخرجون عن كونهم عبيداً للَّه، لأنهم يكونون خاضعين للنظام والسنة الإلهية.

وقد مر الحديث عنه عليه السلام:

"فإنما أنا وأنتم عبيد مملوكون..."1.

الثاني: بأن هذه العبادة هي اختبار للإنسان وامتحان، وليست أمراً اعتبارياً مجرداً من أي غاية وحكمة، بل يكون من خلالها المفاضلة في مراتب العباد.

عنه عليه السلام: "ولكن اللَّه يختبر عباده بأنواع الشدائد ويتعبدهم بأنواع المجاهد، ويبتليهم بضروب المكاره اخراجاً للتكبر من قلوبهم، واسكاناً للتذلل في نفوسهم..."2.

وهذا الاختبار أيضاً ليس خالياً من الكرم الإلهي والفضل الرباني، فاللَّه يصلح به الإنسان وليس لمجرد معرفة الخبيث من الطيب، بل هو رحمة ولطف أيضاً، فالعبادة دواء وشفاء من أعظم الداء وهو الشرك، وهذا من آثارها كما سيأتي.

الثالث: الترغيب بالربح من خلال التجارة مع اللَّه، باعتبار أن بعض الناس قد يتعاملون حتى مع اللَّه عزَّ وجلّ من جهة انتظارهم للفائدة والربح المقابل.

فهم ينتظرون بدلاً معيناً وربحاً مضموناً وإلا تركوا العمل ويمكن أن تكون هذه العبادة عبادة التجار التي يتحدث الإمام عنها في نهج البلاغة أيضاً وسيأتي الكلام عنها، وهناك عبادة العبيد وهم المضطرون إلى هذه العبادة قهراً وخوفاً وكأن الطريقة الأولى التي مر ذكرها في بيان لزوم العبادة خطاباً لهؤلاء.

من كلامه عليه السلام المروي عنه الذي يستفاد منه الترغيب بالعبادة من باب التجارة مع اللَّه: "واختار من خلقه سُمَّاعاً أجابوا إليه دعوته، وصدّقوا كلمته... يحرزون الأرباح في متجر عبادته..."3.

وهذا يناسب معنى قوله تعالى:﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ...(فاطر:29).

الرابع: الامتنان والدعوة لشكر اللَّه على نعمه، فإن شكر المنعم لازم وواجب عقلاً.

عنه عليه السلام: "فاتقوا اللَّه الذي نفعكم بموعظته، ووعظكم برسالته، وامتنّ‏َ عليكم بنعمته، فعبِّدوا أنفسكم لعبادته، وأخرجوا إليه من حق طاعته"4.

وكأنه عليه السلام يفرِّع لزوم العبادة على العباد بالنعمة الشاملة للرسالة التي هي نعمة معنوية والنعم الأخرى المادية. وعليه فيلزم على العباد أن يعبِّدوا أنفسهم للَّه عزَّ وجلّ ويطيعوه مقابل ما أنعم عليهم، ووعظهم وهداهم.

ولعل ذلك أيضاً إشارة إلى عبادة الشكر للَّه سبحانه التي هي من المراتب العليا للعبادة، وهذا ما يشير إليه كلامه المروي عنه أيضاً في نهج البلاغة: "فاعتصم باللَّه الذي خلقك ورزقك وسواك وليكن له تعبدك..."5.

فمن خلق وسوى هو من يستحق العبادة مقابل خلقه وفيه معنى الشكر للخالق على خلقه.

الخامس: أنها قضاء حق فإن من حق الخالق للوجود أن يعبده المخلوق دون غيره، وليس من باب الاضطرار بل من باب أدء حق ذلك الخالق، فهي حق له، وإن كان هذا الحق لا يستطيع أن يؤديه أحد مهما جهد وسعى، فالإنسان إنما يعبد بالوجود المعطى من اللَّه عزَّ وجلّ، والذي يمن به عليه في كل لحظة من حياته فهو حتى في عبادته غير مستغن عن الخالق سبحانه.

عنه عليه السلام: "من قضى حق من لا يقضى حقه فقد عبده"6.

ويمكن أن يستفاد هنا أن المراد هو ما فرضه اللَّه عزَّ وجلّ وجعله حقاً له على العبد وبهذا المعنى يشابه ما روي عنه عليه السلام في النهج أيضاً: "... ولا عبادة كأداء الفرائض"7.

وكأن قضاء حق من لا يقضى حقه هو أداء ما افترض وهو أمر ممكن للعبد، فيستطيع أن يأتي بالفرائض وهو أدنى العبادة وبدونه لا تكون عبادة، لأن ترك أي عبادة مفترضة هو عمل محرم وهو تجرؤ على اللَّه عزَّ وجلّ وهتك لحرمته ولحدوده فالفرائض هي حدود اللَّه سبحانه، الذي إذا تجاوزه العبد يكون قد أخل بأدب العبودية وخرج من حيّز عبادة اللَّه إلى عبادة الشيطان.

كيفية العبادة
قد يظن البعض أن العبادة هي أن يأخذ الإنسان نفسه بالأعمال العبادية والذكر والتهجد حتى يجهد نفسه ولو بالإجبار، فيؤدي الأمر به إلى أن تصير هذه العبادة وقتاً للتعب وبذل الجهد، لا فترة للتوجه إلى اللَّه والانقطاع إليه.

لذلك نجد فيما روي عن الإمام علي عليه السلام في النهج في هذا المجال دواءً وتوجيهاً وتقويماً لهذا الاعوجاج وتصحيحاً لهذا الخطأ: "وخادع نفسك في العبادة، وارفق بها، ولا تقهرها، وخذ عفوها8"9.

وقد يستغرق الإنسان في بعض العبادات ولا يبقى لديه وقت لأداء العبادات الأخرى الواجبة أيضاً. هذا الإنسان يظن أنه بهذا النحو يؤدي حق خالقه، غافلاً عن تقصيره في الواجبات الأخرى. كصلة الرحم وطلب الرزق وطلب العلم والتفقه إلى غيرها من العبادات.

ومن الناس من يتخذ العبادة مظهراً، أو يرى العبادة هي الأعمال الظاهرية، فقط فيتظاهر بهذه الأعمال ويقصر نظره ويحصره في ظاهر العبادة، فتخلو أيضاً من الباطن، والروح فيكون جسده خاشعاً متعبداً وقلبه وروحه منشغلان عن معنى العبادة، بهذا الجسد وأعماله، فتسقط هذه العبادة عن القيمة والمنزلة ولا تصل إلى أكثر من محلها وهو الجسد، فيكون عمله الظاهر صالحاً إلا أن باطنه سيئاً ومتعفناً، وجهه متوجه لجهة القبلة وقلبه متوجه للدنيا فيخالف ظاهره باطنه.

الإخلاص في العبادة
عنه عليه السلام: "إنه لا ينفع عبداً وإن أجهد نفسه وأخلص فعله أن يخرج من الدنيا لاقياً ربه بخصلة من هذه الخصال لم يتب منها: أن يشرك باللَّه فيما افترض عليه من عبادته..."10.

إن اخلاص الفعل من الشوائب دون اخلاص القلب من غير اللَّه لا ينفع العبد مهما عبد واجتهد لأن اللَّه يريد من العبد القلب كما مر.

والشرك العملي في العبادة أن يريد العبد بعبادته رضا المخلوق، ولا يكون قلبه في هذه العبادة متوجهاً إلى اللَّه وحده، فهذه العبادة باطلة وغير مقبولة وغير نافعة، وهذا الشرك العملي معصية محرمة.

وقد مر أنه روي عنه عليه السلام: "فاعتصم باللَّه الذي خلقك ورزقك وسواك، وليكن له تعبَّدك"11.

وللإخلاص مراتب منها
المرتبة الأولى: أن لا يكون رياء وسمعة وهي بمثابة الشرط في صحة العبادة وقبولها وخلافها شرك عملي ومعصية توجب بطلان العمل العبادي.

لذلك يقول الإمام عليه السلام فيما روي عنه في نهج البلاغة:

"ليس الخير في أن يكثر مالك وولدك.. وأن تباهي الناس بعبادة ربك.."12.

وعنه عليه السلام:"يأتي على الناس زمان يُعدَّون الصدقة فيه غُرماً، وصلة الرحم مناً والعبادة استطالة على الناس"13.

المرتبة الثانية: مرتبة التجار، وهي المستفادة من الحديث المروي عنه عليه السلام في نهج البلاغة:

"إن قوماً عبدوا اللَّه رغبة فتلك عبادة التجار، وإن قوماً عبدوا اللَّه رهبة فتلك عبادة العبيد وإن قوماً عبدوا اللَّه شكراً فتلك عبادة الأحرار"14.

فبعض العباد يعبدون اللَّه عبادة التجار، يتاجرون مع اللَّه مقابل جنته. ولولا وجود الجنة لما عبدوه ولما أطاعوه، فكان دافعهم إلى الأعمال هو رغبتهم بما وعد اللَّه من النعم الأخروية والملذات في الجنة، وهذه المرتبة فيها شائبة الشرك العملي لأن العابد يريد فيها غير اللَّه وهو الجنة، إلا أنه وإن كان يريد الجنة وهي غير اللّه فهو يريد ما عند اللَّه وليس ما عند سواه. وقد قبل اللَّه عزَّ وجلّ هذه العبادة بلطفه وسعة رحمته.

المرتبة الثالثة: مرتبة الخائفين العبيد، ولعل هذه المرتبة أقرب إلى العبودية الخالصة من سابقتها لأن حالة الخضوع تبرز فيها أكثر، ولكن عبادة الخوف لا تخلو أيضاً من شائبة الشرك، غفره اللَّه وقبله لأنه خوف ما عند اللَّه أيضاً، بخلاف الخوف من غير اللَّه الذي يدفع الإنسان إلى ترك عبادة اللَّه.

المرتبة الرابعة: مرتبة الأحرار الذين يعبر عن عبادتهم تارة بعبادة الشكر للَّه عزَّ وجلّ. تكون غايته رد الجميل بالجميل، والشكر على الجميل وهذه مرتبة من الخلوص حيث أنها مقابل شي‏ء سبق به اللَّه عبده، ولكن لو لم يكن هناك شي‏ء سبق اللَّه به عبده هل كان عبده؟ فهناك عبادة أعلى وهي عبادة اللَّه لأنه أهل ويمكن أن تكون هي المرتبة الخامسة، فسواء أعطى اللَّه أم لم يعطِ هو يستحق العبادة وهو لها أهل. لذلك فهو لا يعبده رداً للجميل فقط، بل عرف الله وعرف صفاته ووجده أهلاً للعبادة فعبده.

هذه هي العبادة وهذه هي مراتبها وآثارها، فطوبى للعابدين حقاً.

للمطالعة
حب علي عليه السلام

في كتاب أمالي الشيخ رحمهم الله: بأسانيده المفصّلة عن صالح بن ميثم التمّار رحمه اللَّه قال: وجدت في كتاب ميثم رضوان اللَّه عليه يقول: تمسّينا ليلة عند أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام فقال لنا: ليس من عبد امتحن اللَّه قلبه بالإيمان إلاّ أصبح يجد مودّتنا على قلبه، ولا أصبح عبد ممّن سخط اللَّه عليه إلاّ أصبح يجد بغضنا على قلبه، فأصبحنا نفرح بحبّ المحبّ لنا ونعرف بغض المبغض لنا، وأصبح محبّنا مغتبطاً بحبّنا برحمة من اللَّه ينتظرها كلّ يوم، وأصبح مبغضنا، يؤسّس بنيانه على شفا جرف هار، فكأنّ ذلك الشفا قد انهار به في نار جهنّم، وكأنّ أبواب الرحمة قد فتحت لأصحاب الرحمة، فهنيئاً لأصحاب الرحمة رحمتهم، وتعساً لأهل النار مثواهم.

إنّ عبداً لن يقصّر في حبّنا15 لخير جعله اللَّه في قلبه ولن يحبّنا من يحبّ مبغضنا، وإنّ ذلك لا يجتمع في قلب واحد ﴿مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ(الأحزاب:4) يحبّ بهذا قوماً، ويحبّ بالآخر عدوّهم، والّذي يحبّنا فهو يخلص حبّنا كما يخلص الذهب لا غشّ فيه16، نحن النجباء، وأفراطنا أفراط الأنبياء، وأنا وصيّ الأوصياء، وأنا حزب اللَّه ورسوله صلى الله عليه وآله والفئة الباغية حزب الشيطان، فمن أحبّ أن يعلم17 حاله في حبّنا فليمتحن قلبه، فإن وجد فيه حبّ من ألّب علينا18 فليعلم أن اللَّه عدوّه وجبرائيل وميكائيل وأن اللَّه عدوّ للكافرين19.

*قبسات من نهج البلاغة، إعداد ونشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، ط1، كانون الاول 2004م، ص39-47.


1- نهج البلاغة، خطبة 216.
2- م.س، خطبة 111.
3- نهج البلاغة، خطبة 1.
4- محمد عبده، شرح نهج البلاغة، خطبة 198.
5- ن.م، كتاب 31.
6- م.س، خطبة 164.
7- ن.م، ح 113.
8- عفوها: وقت فراغها، وراحتها، وما لا أثر فيه لأحد بملك.
9- عبده، محمد، شرح نهج البلاغة، ك 69.
10- ن.م، ح 94.
11- ن.م، ح 20پ.
12- ن.م، خطبة 153.
13- ن.م، ك 31.
14- ن.م، ح 237.
15- في تأويل الآيات: وإنّه ليس عبد من عبيد اللَّه يقصّر في حبّنا.
16- في تأويل الآيات: كما يخلص الذهب بالنار لا كدر فيه.
17- في نسخة: يعرف، وفي أخرى: يمتحن.
18- أي جمع الناس علينا، من ألّب الإبل والجيش: جمعهم.
19- القطرة، ج‏1، ص‏234.

18-08-2009 عدد القراءات 6614



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا