23 تشرين الثاني 2017 الموافق لـ 04 ربيع الأول 1439هـ
En FR

النبي وأهل البيت :: وصايا الإمام

وصيته عليه السلام لعبد اللّه النجاشي



قال عبد اللّه بن سليمان النوفلي: كنت عند جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام، فاذا بمولى لعبد اللّه النجاشي وردَ عليه فسلّم وأوصل اليه كتاباً ففضّه وقرأه، فاذا أوّل سطر فيه:

بسم اللّه الرحمن الرحيم، أطال اللّه بقاء سيّدي وجعلني من كلّ سوء فِداه، إِني بُليت بولاية الأهواز فإن رأى سيّدي أن يحدّ لي حدّاً أو يمثل لي مثلاً لأستدلّبه على ما يقرّبني الى اللّه جلّ وعزّ والى رسوله، ويلخّص في كتابه ما يرى لي العمل به وفيما يبذله وأبتذله، وأين أضع زكاتي، وفيمن أصرفها، وبمن آنس، والى مَن أستريح، ومَن أثق وآمن وألجأ اليه في سرّي، فعسى أن يخلّصني اللّه بهدايتك ودلالتك، فإنك حُجّة اللّه على خلقه، وأمينه في بلاده لا زالت نعمته عليك.

قال عبد اللّه بن سليمان: فأجابه أبو عبد اللّه عليه السلام:
بسم اللّه الرحمن الرحيم، جامَلَكَ اللّه بصنعه، ولطف بك بمنّه، وكلأك برعايته، فإنه وليّ ذلك، أمّا بعد فقد جاء إِليّ رسولك بكتابك فقرأته وفهمت جميع ما ذكرته وسألت عنه وزعمت أنك بُليت بولاية الأهواز فسرَّني ذلك وساءني، فأمّا سروري بولايتك فقلت: عسى أن يغيث اللّه بك ملهوفاً من أولياء آل محمّد صلّى اللّه عليه وآله ويعزّ بك، وساءني من ذلك فإن أدنى ما أخاف عليك أن تعثر بوليّ لنا فلا تشمّ حظيرة القدس.

فإني ملخّص لك جميع ما سألت عنه إِن أنت عملت به ولم تجاوزه رجوت أن تسلم إِن شاء اللّه تعالى، أخبرني أبي عن آبائه عن علي بن أبي طالب عليهم السلام عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أنه قال: من استشاره أخوه المؤمن فلم يمحضه النصيحة سلبه اللّه لُبَّه، واعلم أني سأشير عليك برأي إِن أنت عملت به تخلّصت ممّا أنت متخوّفه، واعلم أن خلاصك ونجاتك من حقن الدماء وكفّ الأذى من أولياء اللّه والرفق بالرعيّة والتأني وحسن المعاشرة، مع لين في غير ضعف، وشدَّة في غير عُنف، ومداراة صاحبك ومن يرد عليك من رُسله، وارتق فتق رعيّتك بأن توافقهم على ما وافق الحقّ والعدل إِن شاء اللّه.

إِيّاك والسعاة وأهل النمائم فلا يلتزقن منهم بك أحد، ولا يراك اللّه يوماً وليلة وأنت تقبل منهم صرفاً ولا عدلاً فيسخط اللّه عليك ويهتك سترك.

فأمّا من تأنس به وتستريح اليه وتلج اُمورك اليه فذلك الرجل الممتحن المستبصر الأمين الموافق لك على دينك، وميَّز عوامك وجرّب الفريقين فإن رأيت هنالك رشداً فشأنك وإِيّاه.

وإِيّاك أن تعطي درهماً أَو تخلع ثوباً أو تحمل على دابّة في غير ذات اللّه لشاعر أو مضحك أو ممتزح إِلا أعطيت مثله في ذات اللّه.

ولتكن جوائزك وعطاياك وخلعك للقوّاد والرُسل والأحفاد وأصحاب الرسائل وأصحاب الشرط والأخماس، وما أردت أن تصرفه في وجوه البرّ والنجاح والفتوّة والصدقة والحجّ والمشرب والكسوة التي تصلّي فيها وتصل بها والهديّة التي تهديها الى اللّه عزّ وجلّ والى رسوله صلّى اللّه عليه وآله من أطيب كسبك.

يا عبد اللّه، اجهد ألا تكنز ذهباً ولا فضّة فتكون من أهل هذه الآية التي قال اللّه عزّ وجلّ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّه.

ولا تستصغرن من حلو أو فضل طعام تصرفه في بطون خالية ليسكن بها غضب اللّه تبارك وتعالى، واعلم أني سمعت من أبي يحدَّث عن آبائه عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه سمع النبي صلّى اللّه عليه وآله يقول يوماً: ما آمن باللّه واليوم الآخر من بات شبعاناً وجاره جايع، فقلنا: اُهلكنا يا رسول اللّه، فقال: من فضل طعاكم ومن فضل تمركم ورزقكم وخلقكم وخرقكم تطفون بها غضب الرب.

فخرج أمير المؤمنين من الدنيا وليس في عنقه تبعة لأحد حتّى لقي اللّه محموداً غير ملوم ولا مذموم، ثمّ اقتدت به الأئمة من بعده بما قد بلغكم، لم يتلطّخوا بشيء من بوائقها صلوات اللّه عليهم أجمعين وأحسن مثواهم.
وقد وجّهت اليك بمكارم الدنيا والآخرة، فإن أنت عملت بما نصحت لك في كتابي هذا ثمّ كانت عليك من الذنوب والخطايا كمثل أوزان الجبال وأمواج البحار رجوت اللّه أن يتحامى عنك جلّ وعزّ بقدرته.

يا عبد اللّه إِيّاك أن تُخيف مؤمناً فإن أبي محمّد حدّثني عن أبيه عن جدّه علي بن أبي طالب عليهم السلام أنه كان يقول: مَن نظر إلى مؤمن نظرة ليخيفه بها أخافه اللّه يوم لا ظلَّ إِلا ظلّه، وحشره في صورة الذرّ لحمه وجسده وجميع أعضائه حتّى يورده مورده.

وحدّثني أبي عن آبائه عن علي عن النبي صلّى اللّه عليه وآله أنه قال: مَن أغاث لهفاناً من المؤمنين أغاثه اللّه يوم لا ظلَّ إِلا ظلّه، وآمنه اللّه يوم الفزع الاكبر، وآمنه عن سوء المنقلب، ومَن قضى لأخيه المؤمن حاجة قضى اللّه له حوائج كثيرة إِحداها الجنّة، ومَن كسا أخاه المؤمن من عري كساه اللّه من سُندس الجنّة واستبرقها وحريرها، ولم يزل يخوض في رضوان اللّه مادام على المكسو منها سلك، ومَن أطعم أخاه من جوع أطعمه اللّه من طيّبات الجنّة، ومَن سقاه من ظمأ سقاه اللّه من الرحيق المختوم، ومَن أخدم أخاه أخدمه اللّه من الولدان المخلّدين وأسكنه مع أوليائه الطاهرين، ومَن حمل أخاه المؤمن من رحله حمله اللّه على ناقة من نوق الجنّة وباهى به الملائكة المقرّبين يوم القيامة، ومَن زوّج أخاه المؤمن امرأة يأنس بها وتشدّ عضده ويستريح اليها زوّجه اللّه من الحور العين، وآنسه بمن أحبّ من الصدّيقين من أهل بيته واخوانه وآنسهم به، ومَن أعان أخاه المؤمن على سلطان جائر أعانه اللّه على إِجازة الصراط عند زلزلة الأقدام، ومَن زار أخاه المؤمن الى منزله لا لحاجة منه اليه كُتب من زوّار اللّه، وكان حقيقاً على اللّه أن يكرم زائره.

يا عبد اللّه وحدّثني أبي عن آبائه عن علي عليه السلام أنه سمع من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يقول لأصحابه يوماً، معاشر الناس إِنه ليس بمؤمن مَن لعن بلسانه ولم يؤمن بقلبه فلا تتبعوا عثرات المؤمنين، فإنه مَن اتبع عثرة مؤمن اتبع اللّه عثراته يوم القيامة وفضحه في جوف بيته.

وحدّثني أبي عن علي عليه السلام قال: أخذ اللّه في ميثاق المؤمن ألا يُصدَّق في مقالته، ولا يُنتصف من عدوّه، ولا يُشفي غيظه إِلا بفضيحة نفسه، لأن كلّ مؤمن ملجم، وذلك لغاية قصيرة وراحة طويلة.

أخذ اللّه ميثاق المؤمن على أشياء أيسرها مؤمن مثله يقول بمقالته يتعبه ويحسده، والشيطان يغويه ويعينه، والسلطان يقفو أثره ويتبع عثراته، وكافر بالذي هو مؤمن به يرى سفك دمه دَيناً، وإِباحه حريمه غنماً، فما بقاء المؤمن بعد هذا.

يا عبد اللّه وحدّثني أبي عن آبائه عن علي عليه السلام عن النبي صلّى اللّه عليه وآله قال: نزل جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمّد إِن اللّه يقرأ عليك السلام ويقول: اشتققت للمؤمن اسماً من أسمائي سمّيته مؤمناً فالمؤمن منّي وأنا منه، من استهان بمؤمن فقد استقبلني بالمحاربة.

يا عبد اللّه وحدّثني أبي عن آبائه عليهم السلام عن علي عليه السلام عن النبي صلّى اللّه عليه وآله أنه قال يوماً: يا علي لا تناظر رجلاً حتّى تنظر في سريرته، فإن كانت سريرته حسنة فانَّ اللّه عزّ وجلّ لم يكن ليخذل وليّه، وإِن كانت سريرته رديَّة فقد يكفيه مساويه، فلو جهدت أن تعمل به اكثر ممّا عمله من معاصي اللّه عزّ وجلّ ما قدرت عليه.

يا عبد اللّه وحدّثني أبي عن آبائه عن علي عليه السلام عن النبي صلّى اللّه عليه وآله أنه قال: أدنى الكفر أن يسمع الرجل عن أخيه الكلمة ليحفظها عليه يريد أن يفضحه بها، اولئك لا خلاق لهم.

يا عبد اللّه وحدّثني أبي عن آبائه عن علي عليه السلام أنه قال: مَن قال في مؤمن ما رأت عيناه وسمعت اُذناه ما يشينه ويهدم مروّته فهو من الذين قال اللّه عزّ وجلّ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم.

يا عبد اللّه وحدّثني أبي عن آبائه عن علي عليه السلام أنه قال: من روى عن أخيه المؤمن رواية يريد بها هدم مُروّته وثلبه أوبَقهُ اللّه بخطيئته حتّى يأتي بمخرج ممّا قال، ولن يأتي بالمخرج منه أبداً، ومن أدخل على أخيه المؤمن سُروراً فقد أدخلَ على أهل البيت عليهم السلام سُروراً، ومن أدخل على أهل البيت سُروراً فقد أدخل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله سُروراً، ومن أدخل على رسول اللّه سُروراً فقد سرَّ اللّه، فحقيق عليه أن يُدخِله الجنّة حينئذٍ.

ثمَّ إِنّي اُوصيك بتقوى اللّه وإِيثار طاعته والاعتصام بحبله، فإنه من اعتصم بحبل اللّه فقد هُدي الى صراطٍ مستقيم، فاتقِ اللّه ولا تؤثر أحداً على رضاه وهواه، فإنّه وصيّة اللّه عزّ وجلّ الى خلقه، لا يقبل منهم غيرها ولا يعظّم سواها، واعلم أن الخلائق لم يوكلوا بشيء أعظم من التقوى فإنّه وصيّتنا أهل البيت، فإن استطعت ألا تنال شيئاً من الدنيا تُسئل عنه غداً فافعل.

قال عبد اللّه بن سليمان: فلمّا وصل كتاب الصادق عليه السلام الى النجاشي نظر فيه فقال: صدَق واللّه الذي لا إِله إِلا هو مولاي، فما عمل أحد بما في هذا الكتاب إِلا نجا فلم يزل عبد اللّه يعمل به في أيام حياته.

فكّر أيها القارئ الكريم في هذه النصائح القدسيّة، وأعد النظر في فقراتها، وانظر ماذا سيبلغه البشر من نهاية السعادة لو وضع الاُمراء وأرباب الدولة هذا الكتاب نُصب أعينهم، ودرج عليه الناس في معاملاتهم بعضهم مع بعض، ولكن البشر لا يزال في سكرته لا يستيقظ لسماع مثل هذه المواعظ .


* كتاب الامام الصادق / الشيخ محمد رضا المظفر.

11-09-2012 عدد القراءات 2452



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا