11 آب 2020 م الموافق لـ 21 ذو الحجة1441 هـ
En FR

صدى الولاية :: جمادى الثانية

صدى الولاية - العدد 206 - جمادى الثانية 1441 هـ



اليوم الذي تتخلّص فيه المجتمعات والبشر والشعوب من قبضة القوى الجائرة هو من أيّام الله.
الضمائر اليقظة والقلوب المؤمنة يجب أن تُحيي الثقة بالنفس في الشعوب، وعلى الجميع أن يعلموا أن طريق نجاة الشعوب هو في التدبير والاستقامة وعدم الرهبة من العدوّ.
القائد سليمانيّ كان ذلك الرّجل الذّي يقتحم الخطوط الأماميّة، ويقاتل بشجاعة نادرة في أخطر المواقع.

 
 

خطاب القائد

 

بسم الله الرحمن الرحيم

* وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللّهِ
في سورة إبراهيم (عليه السلام)، ثمّة آية عميقة المعاني والمضامين، كسائر الآيات القرآنيّة، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللّهِ﴾ (إبراهيم: 5).

في هذه الآية، يوصي الله سبحانه ويأمر النبيَّ موسى(عليه السلام) أن ﴿ذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللّهِ﴾. وثمّة احتمالان حول معنى ﴿ذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللّهِ﴾؛ أحدهما هو أن يكون القصد ذكِّرهم بأيّام الله، والثاني هو أن يكون القصد ذكِّرهم بالله والدين والقيامة بواسطة أيّام الله.  هنا تتبيّن أهمّيّة أيّام الله التي يؤمر رسول الله العظيم موسى (عليه السلام) بتذكير الناس بها.

ثمّ يقول تعالى في الآية التالية إنّ النبيّ موسى(عليه السلام) عمل بهذا الأمر: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ (إبراهيم: 6)؛ ذكَّرهم بنجاتهم من يد فرعون وأعوانه، ومن قبضة القوّة المسيطرة المتغلّبة الجائرة، وكيف أنقذكم الله منها، هذا من أيّام الله.

ومن الأمثلة على أيّام الله ﴿إذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ (إبراهيم: 7). إذاً، هذا اليوم من أيّام الله، اليوم الذي تتخلّص فيه المجتمعات والبشر والشعوب من قبضة القوى الجائرة. ثمّ يأتي النداء العامّ من الله وصوت الله المدوّي: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ (إبراهيم: 7). ﴿تَأَذَّنَ﴾ بمعنى صوت الله تعالى العالي المدوّي الذي يعلن للجميع ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (إبراهيم: 7)، إذا شكرتم فسوف نضاعف ونزيد لكم يوماً بعد يوم النعمة التي أعطيناها لكم، ﴿وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيد﴾ (إبراهيم: 7)، أمّا إذا كفرتم النعمة ولم تؤدّوا واجبات الشكر فسيحلّ بكم العذاب الإلهيّ، وتنزل بكم مشكلات جمّة. ثمّ يذكر تعالى في الآية اللاحقة النتيجة العامّة من هذه التعاليم، فيقول: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (إبراهيم: 8)؛ حين نقول اشكروا النعم الإلهية وحافظوا عليها ولا تنسوها فهذا من أجلكم أنتم وإلّا فالله تعالى غنٌّي غير محتاج.

* أيّام الله: لكلّ صبّارٍ شكور
يقول تعالى: ﴿... إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ (إبراهيم: 5).
أيّام الله آياتٌ وعلاماتٌ وإشاراتٌ في الدرب، لمن؟ لمن يتّصفون بهاتين الصفتين: الصبر والشكر. والصبّارون هم المغمورون بالاستقامة والصبر، ولا يتركون الساحة لأتفه سبب، بل يثبتون ويصمدون. والشكورون هم الذين يعرفون النعمة، ويرون الأبعاد الخفيّة والظاهرة للنعمة، ويقدِّرونها ويثمِّنونها، ويعرفون وزنها وأهمّيّتها، ويشعرون بالمسؤولية حيالها.

هذه الآيات من سورة إبراهيم (عليه السلام) -وهي مكّيّة؛ أي نزلت عندما كان المسلمون في ذروة الكفاح والصمود والمقاومة حيال تيار الكفر- تبشّر المسلمين، وتقول للناس: اعلموا أنّ لله تعالى أيّاماً هي أيّام الله وسوف يجعلها الله من نصيبكم، وينبغي أن تشكروا أيّام الله. إذا أبديتم ردود أفعال صحيحة وشاكرة لما منحكم الله تعالى، فإنّ الله تعالى سيمنّ عليكم في المستقبل بمزيد من الانتصارات.

أيّام الله: رؤية يد القدرة الإلهيّة
أيّام الله تعني أن يرى الإنسان يد القدرة الإلهيّة في الأحداث. اليوم الذي نزل فيه عشرات الملايين في إيران ومئات الألوف في العراق وبعض البلدان الأخرى إلى الشوارع تكريماً لدماء قائد فيلق القدس، وشكّلوا أضخم تشييع في العالم، هو أحد أيّام الله.
ما حدث لم يكن بوسعه أن يكون من فعل أيّ عامل سوى يد القدرة الإلهيّة. ويوم دكّت صواريخ حرس الثورة الإسلامية قاعدة الأمريكيّين؛ ذلك اليوم أيضاً أحد أيّام الله. أن يكون لقوة أو شعب هذه القدرة والطاقة الروحية أن توجه مثل هذه الصفعة لقوة عالمية متكبرة متعجرفة فهذا مؤشّر على يد القدرة الإلهيّة.

والأيام تنتهي، لكن تأثيرات هذه الأيّام تبقى في حياة الشعوب، وفي معنويّاتهم، وفي طباعهم، وفي مسيرتهم، والآثار التي تتركها هذه الأيّام آثار باقية، وأحياناً خالدة.

* ألَا يمكن مشاهدة يد الله بوضوح؟
ما الذي حدث بعد مساعي الإمبراطوريّة الخبريّة الصهيونيّة -قبل أيّام من اغتيال الحاج قاسم، وبعده بأيّام حاولت الإمبراطوريّة الخبريّة الصهيونيّة في العالم بأسره اتهام قائدنا الكبير العزيز بأنّه إرهابيّ، وقد قالها رئيس الولايات المتّحدة الأمريكيّة نفسه وقالها وزير خارجيّته، وكرّرت الأجهزة الإعلاميّة الصهيونيّة في العالم كلّه أنّه إرهابيّ إرهابيّ- ولكن ما الذي حدث حتّى قلب الله تعالى الصفحة تماماً إلى عكس ما كانوا يريدون؟ ليس فقط هنا في إيران، بل في مختلف البلدان بعثت الشعوب التحيّات والسلام لروح هذا الشهيد الكبير وأحرقت أعلام أمريكا والصهاينة. ألا يمكن مشاهدة يد الله بوضوح؟ ألا يكشف هذا عن ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَ﴾ (التوبة: 40)، التي قالها الرسول (ص) لصاحبه في منتهى الشدّة في غار ثور وهو وحيد بلا معين ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَ﴾؟ وقول النبيّ موسى (عليه السلام) لقوم من بنيّ إسرائيل الذين كانوا خائفين: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ (الشعراء: 61)، يقولون سوف يلحق بنا جيش فرعون ويحاصروننا ويسحقوننا عن بكرة أبينا، فقال لهم النبيّ موسى (عليه السلام): ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (الشعراء: 62)، ألا يمكن للإنسان أن يشاهد ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ هنا؟ ألا يمكن للشعب الإيراني أن يشعر ﴿إنَّ اللّهَ مَعَنَ﴾؟

* إلى الإخوة العرب
في هذه الأيّام استشهد قائدٌ إيرانيٌّ كبيرٌ وشجاعٌ، ومجاهدٌ عراقيّ طافحٌ بروح التضحية والإخلاص بأذرعٍ عسكريّة أمريكيّة، وبأمر الرّئيس الإرهابيّ الأمريكيّ. هذه الجريمة لم تُرتكب في ميدان المواجهة، بل جرت بصورة جبانة لئيمة.

القائد سليمانيّ كان ذلك الرّجل الذّي يقتحم الخطوط الأماميّة، ويقاتل بشجاعة نادرة في أخطرِ المواقع، وكان العاملَ الفاعل في دحر عناصر داعش الإرهابيّة ونظائرها في سورية والعراق.

الأمريكيّون لم يجرؤوا على مواجهته في ساحات القتال فعمدوا إلى الهجوم عليه بنذالة من الجوّ حين كان بدعوة من حكومة العراق في مطار بغداد، وأراقوا دَمَه الطاهر هو ورفاقه، وبذلك امتزج دم أبناء إيران والعراق مرةَ أخرى في سبيل الله سبحانه وتعالى.
الحرس الإيرانيّ دَكّ بضربة مقابلة أوّلية صاروخيّة القاعدة الأمريكيّة، وسحق أُبّهة وغطرسة تلك الدولة الظالمة المتكبّرة، ويبقى جزاؤها الأساس هو خروجها من المنطقة.

إنّ مساعيَ مغرضةً هائلة بُذلت لخلق نظرةٍ سلبية بين الشعبين الإيراني والعراقي. لقد أُنفقت أموال ضخمة وجُنّدَ أفرادٌ لا يشعرون بالمسؤوليّة في إيران ضدّ الشعب العراقي، والساحة العراقيّة شهِدَت ضخّاً إعلاميّاً شيطانيّاً ضدّ الشعب الإيراني، غير أنّ هذه الشهادة الكبرى قد أحبَطَت هذه المساعي الشيطانيّة والوساوس الخبيثة كلّها.

ما أريد أن أقوله لكم هو أنّ القدرة الإسلاميّة؛ قدرتنا وقدرتكم؛ تستطيع أن تتغلّب على ما تحيط القوى المادية نفسها به من هيبةٍ ظاهرية خادعة!

القوى الغربيّة -بالاعتماد على العلم والتقنيّة، وبالسلاح العسكري، والإعلام الكاذب والأساليب السياسيّة الماكرة- استطاعت أن تهيمن على بلدان المنطقة، ومتى ما اضطرّت إلى الجلاء عن بلد على إثر نهضة شعبيّة، فإنّها لا تكفّ قدر ما تستطيع عن التآمر والاختراق التجسّسيّ والسيطرة السياسيّة والاقتصاديّة، وزرعت الغدّة السرطانيّة الصهيونيّة في قلب بلدان غرب آسيا، وعَمَدَت إلى وضع بلدان المنطقة في تهديدٍ مستمرّ.

بعد انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران، نزلت بالكيان الصهيونيّ ضرباتٌ شديدة سياسيّة وعسكريّة، وأعقب ذلك سلسلة من الهزائم للاستكبار، وعلى رأسه أمريكا من العراق وسوريا، ومروراً بغزّة ولبنان وحتّى اليمن وأفغانستان.

إعلام العدوّ يتّهم إيران بإثارة حروبٍ بالنيابة، وهذه فريةٌ كبرى، فشعوب المنطقة قد استيقظت، وقدرةُ إيران في مقاومتها الطّويلة أمام خُبثِ أمريكا قد تركت أثرها في الجوّ العام للمنطقة وفي معنويّات الشعوب. مصير المنطقة يتوقّف على التّحرّرِ من الهيمنة الاستكباريّة الأمريكيّة وتحرير فلسطين من سيطرة الصهاينة الأجانب.

- الشعوب كلّها تتحمّل مسؤولية الوصول إلى تحقيق هذا الهدف!
على العالم الإسلاميّ أن يزيل عوامل التفرقة. وحدة علماء الدّين قادرة على أن تكتشف أسلوبَ الحياة الإسلامية الجديدة. وتعاون جامعاتنا من شأنه أن يرتقي بالعلم والتقنيّة، وبذلك تستطيع أن تضع أساس الحضارة الجديدة. والتّنسيقُ بين وسائل إعلامنا بإمكانه أن يصلح جذورَ الثقافة العامّة. والتلاحم بين قُوانا العسكريّة سيبعدُ المنطقة كلّها عن الحروب والعدوان. والارتباطُ بين أسواقنا سيحرّر اقتصادَ بلداننا من سيطرة الشركات الناهبة. وتبادل الزِيارات بين شعوبنا سيقرّبُ القلوبَ والأفكار، ويخلقُ روحَ الوحدة والمودّة بينها. أعداؤنا وأعداؤكم يريدون أن يحقّقوا تقدّمَهم الاقتصاديّ على حساب ثرواتِ بلدانِنا، وأن يبنوا عِزَّتَهم على حساب ذُلِّ شعوبنا، ويسجّلوا تفوُّقَهم بثمنِ تفرّقنا. يريدون إبادَتَنا على أيدينا. أمريكا تستهدفُ أن تجعلَ فلسطين دونما قدرةِ على الدفاع أمام الصهاينةِ الظالمين المجرمين، وأن تجعل سوريا ولبنان تحت سيطرة الحكومات التابعة لها والعميلة، وتريدُ العراقَ وثرواتهِ النفطيةَ بأجمعها مِلكاً لها. ولتحقيق هذا الهدف المشؤوم، لا تتوانى عن ارتكاب الظلم والعدوان. الامتحانُ العسير الذين مرّت به سوريا، والفِتنُ المتواليةُ في لبنان، والأعمالُ الاستفزازيّةُ والتخريبيّةُ المستمرّة في العراق نماذجُ لذلك.

الاغتيالُ الصريحُ لأبي مهدي القائدِ الشجاع للحشدِ الشعبيّ، وقائد الحرس الكبير سليماني نماذجُ نادرةٌ لهذه الفتن في العراق. هؤلاء يريدون أن يحقّقوا أهدافهم الخبيثة في العراق عن طريق إثارة الفتن والحروب الداخليّة، وبالتّالي تقسيم العراق، وحذف القوى المؤمنة والمناضلة والمجاهدة الوطنية.

وكنموذج لوقاحتهم، فإنّهم إذ يلوّحون بأنّهم حماة الديمقراطيّة يصرّحون بكلّ وقاحة وصلافة، بعد أن صادق برلمان العراق على إخراجهم، أنّهم جاؤوا إلى العراق ليبقوا فيه ولن يغادروه.

العالم الإسلاميّ لا بدّ من أن يفتح صفحة جديدة. الضمائر اليقظة والقلوب المؤمنة يجب أن تُحيي الثقة بالنفس في الشعوب، وعلى الجميع أن يعلموا أن طريق نجاة الشعوب هو في التدبير والاستقامة وعدم الرهبة من العدوّ.

 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 
 

من توجيهات القائد (دام ظلّه)

 

التقوى عنوان التوفيق والسداد

أدعو الإخوة الأعزّاء، وأوصيهم ونفسي بتقوى الله. إذا كنّا نروم النصرة من الله فهي في التقوى، وإذا كنّا نريد التوفيقات الإلهيّة والهداية الإلهيّة فهي في التقوى، وإذا كنّا نطمح إلى الفرج والانفراج في الشؤون الشخصيّة والاجتماعيّة فهي في التقوى. علينا جميعاً السعي لجعل تقوى الله معيار أعمالنا.

 

 
 

الشهيد سليمانيّ في كلام القائد (دام ظلّه)

 

باعث الروح

كان الشهيد سليمانيّ -بالمعنى الحقيقي للكلمة- أقوى قياديّ في الحرب ضدّ الإرهاب في هذه المنطقة، وقد عُرف بهذا العنوان والصفة. أيّ قيادي آخر كان بمقدوره ووسعه القيام بالأعمال التي قام بها؟ يصل الشهيد سليمانيّ بالمروحيّة لمنطقة يحاصرها الأعداء من الأطراف كلّها، وهناك داخل حصار العدوّ الكامل شباب صالحون في تلك المنطقة باقون وحدهم وليس لهم قائد، فما إن تقع أعينهم على الحاج قاسم سليمانيّ حتّى تنبعث الروح فيهم، وترتفع معنويّاتهم، وتزداد محفّزاتهم، فيكسرون الحصار، ويفرّ العدوّ، ويختفي ويهرب. من الذي يستطيع فعل هذه الأشياء؟

07-02-2020 عدد القراءات 1266



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد



جديدنا