27 أيار 2019 م الموافق لـ 21 شهر رمضان 1440 هـ
En FR

صدى الولاية :: رجب

صدى الولاية - العدد 195 - رجب 1440 هـ



 

 
 

رجب شهر الدعاء والتوسّل

 

 

 شهر رجب المبارك شهر الدعاء والتوسل، والتضرّع، وشهر إعداد القلوب للدخول إلى ساحة شهر رمضان. ليس اعتباطاً أن تجري التوصية بقراءة بعض الأدعية والقيام بالأعمال المحدّدة والانشغال بالاستغفار. الدعاء حسن دائماً، ويمكن قراءة أي دعاء دائماً، لكنّهم (عليهم السلام) أوصونا بدعاء خاصّ في أيّام شهر رجب أو في أيّام خاصّة من شهر رجب؛ ما يدل على وجود خصوصيّة في هذه الأيام، وينبغي الاستفادة من تلك الخصوصيّة.
 

 

 
 

الإمام الباقر (عليه السلام)

 

1 رجب عام 57 هـ: ولادة الإمام الباقر (عليه السلام)

إنّه باقر علم الأوّلين، فهو باقر وفاتح الحقائق القرآنيّة، وهو من يبقر ويشقّ طرائق الحقائق القرآنيّة والعلوم الإسلاميّة.

من أعمال الإمام الباقر (عليه السلام)، أنّه كان يربّي أشخاصاً ويعدّهم ويخصّهم بالعناية، ثمّ يربطهم ببعضهم بعضاً، ويبثّهم في أرجاء العالم الإسلاميّ كأقطاب وأركان ووكلاء ونوّاب ليتابعوا ما قام به، ويتحمّلوا أعباء التبليغ والتعليم الّذي قام به. ولقد كان هذا العمل شديد الخطورة.

لهذا ترون في الروايات كيف أنّ بعض أصحاب الإمام الباقر (عليه السلام)، يُعرفون بأصحاب السرّ، فهم أولئك الّذين كانوا يتواجدون في أرجاء العالم الإسلاميّ وفي كلّ الأماكن ممّن يتحمّلون مسؤولية هداية المستعدّين والمحبّين والأخذ بأيديهم وإشباع أذهانهم. وكان الجهاز الحاكم أينما وجد هؤلاء يعرّضهم لكلّ أشكال الضغط والقمع.

بمطالعةٍ مختصرة يمكن تلخيص مرحلة إمامة الإمام الباقر كلّها -من سنة 95 إلى سنة 114 للهجرة- بالشكل التالي: لقد اختاره أبوه الإمام السجّاد (عليه السلام) في آخر لحظات عمره، كإمامٍ للشيعة وخليفةٍ له، وقد سجّل هذا التنصيب في محضر سائر أبنائه وأقاربه. وأراه صندوقاً بحسب الروايات مليئاً بالعلم2 أو حاوياً لسلاح رسول الله وقال: «يا محمّد، احمل هذا الصندوق إلى بيتك»، ثمّ يتوجّه بالخطاب إلى الآخرين: «لا يوجد في هذا الصندوق من الدرهم والدينار شيءٌ، بل هو مليءٌ بالعلم»3، وكأنّه بهذا الموقف، وبمثل هذا التعبير، عرّف الحاضرين على إرث القيادة العلميّة والفكريّة (العلم)، والقيادة الثوريّة (سلاح النبيّ (صلّى الله عليه وآله)).

 
 

الإمام الهادي (عليه السلام)

 

2 رجب عام 212 هـ: ولادة الإمام الهادي (عليه السلام)
3 رجب عام 254 هـ: شهادة الإمام الهادي (عليه السلام)

كان الشيعة في زمن الإمام الهادي (عليه السلام)، رغم ما فيه من عنفٍ وقمعٍ، يزدادون يوماً بعد يوم انتشاراً وقوّةً.

يوجد حديثٌ حول طفولة الإمام الهادي (عليه السلام)، حينما أحضر المعتصمُ في عام 218 للهجرة، الإمام الجواد (عليه السلام) قبل شهادته بسنتين من المدينة إلى بغداد، بقي الإمام الهادي (عليه السلام) –وكان عمره 6 سنوات حينها- مع أهله في المدينة. وبعد أن أُحضر الإمام الجواد (عليه السلام) إلى بغداد سأل المعتصم عن أسرته وأهله، وعندما سمع أنّ ابنه البكر عليّ بن محمّد ابن ستّ سنوات، قال إنّه خطرٌ ويجب أن نفكّر في حلٍّ له. وقد أمر المعتصم رجلاً من أقاربه أن يذهب من بغداد إلى المدينة، وأن يجد فيها من هو عدوّ لأهل البيت، وأن يودع عنده هذا الطفل، ليكون معلّماً له ويربّيه ليصبح عدوّاً لأسرته ومنسجماً مع الجهاز الحاكم. فجاء هذا الشخص من بغداد إلى المدينة، واختار أحد علمائها المدعوّ الجنيدي الّذي كان من أشدّ المخالفين والمعاندين لأهل البيت، لينهض بهذا العمل، وقال له: إنّني مأمورٌ أن أجعلك مربّياً ومؤدّباً لهذا الطفل، ولا ينبغي أن تسمح لأيّ شخصٍ بالتواصل والارتباط معه، وأريدك أن تربّيه بهذه الطريقة وبهذا الشكل.

وبعد مدّةٍ جاء أحد المقرّبين من الجهاز الحاكم ليطّلع على الجنيديّ، ويسأل عن أحوال ذلك الطفل الّذي أودعه إيّاه، فقال الجنيدي: «أيّ طفلٍ هذا، أهذا هو الطفل؟ إنّني أبيّن له مسألةً في الأدب، فيبيّن لي أبواباً من الأدب، حيث أتعلّم منه! فأين درس هذا الطفل وتعلّم؟ وأحياناً أطلب منه عندما يدخل إلى الحجرة أن يقرأ سورةً من القرآن، وعندما يدخل (وهو يريد أذيّته) يسأل أيّ سورةٍ أقرأ، فأقول له: اقرأ سورة كبيرة، كسورة آل عمران مثلاً، فيقرأها عليّ ويبيّن لي مواضع الإشكال في قراءتها. إنّهم علماء وحفّاظ للقرآن، وعلماء بالتأويل والتفسير، أيّ طفلٍ هذا؟». وقد استمرّ ارتباط هذا الطفل - الّذي كان في الظاهر طفلاً، ولكنّه وليّ الله، ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾- مع هذا الأستاذ مدّة، وأصبح هذا الأستاذ من الشيعة المخلصين لأهل البيت (عليهم السلام).

 
 

الإمام الجواد (عليه السلام)

 

10 رجب عام 195 هـ: ولادة الإمام الجواد (عليه السلام)

إنّ الإمام الجواد (عليه السلام) هو قدوةٌ وأسوةٌ ونموذجٌ لنا. وإنّ الحياة القصيرة لهذا العبد الصالح لله، انقضت بالجهاد ضدّ الكفر والطغيان. وقد أضحى في موقع قيادة الأمّة الإسلامية في حداثة عمره، وقد جاهد مجاهدة مركّزة ضدّ العدوّ في هذه السنوات القصيرة، حيث إنّه وفي عمر الـ 25 سنة أي أنّه كان ما يزال في مقتبل العمر، لم يعد وجوده قابلاً للتحمّل من قبل أعداء الله، فاستُشهد وقتلوه بالسمّ. وإنّ هذا الإمام العظيم (عليه السلام) قد أضاف بعمله إلى الإسلام دعامة مهمّة من الجهاد الشامل، وقدّم لنا درساً عظيماً. وذاك الدرس العظيم هو أنّه عندما نكون في مواجهة القوى المنافقة والمرائية يجب أن نسعى جهدنا من أجل أن نستنهض وعي الناس لمواجهة هذه القوى. فلو أنّ العدوّ يظهر عداءه بنحو صريح وعلنيّ ولا يرائي، فإنّ التعامل معه أسهل، ولكن عندما يكون العدوّ كالمأمون العبّاسي الّذي يتظاهر بالقداسة والدفاع عن الإسلام، فإنّ التعرّف عليه سيكون صعباً بالنسبة إلى الناس. وقد بذل الإمام الجواد (صلوات الله عليه) الهمّة من أجل كشف قناع التزوير والرياء هذا، عن وجه المأمون، ونجح في ذلك.

 
 

أمير المؤمنين (عليه السلام)

 

13 رجب عام 23 ق.هـ: ولادة أمير المؤمنين (عليه السلام)

لقد كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يتحرّك وفق جوهر التكليف دون أيّ ذرّة من تدخّل الأنا والمشاعر الشخصيّة والمنافع الذاتيّة.

الناظر إلى تاريخ حياة أمير المؤمنين (عليه السلام)، منذ الطفولة، منذ ذلك الوقت الّذي كان فيه في سنّ التاسعة أو الحادية عشرة، يرى أنّه كان قد آمن بنبوّة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأدرك الحقيقة بوعيٍ تامّ وتمسّك بها. ومنذ تلك اللحظة وإلى حين لحظة محراب العبادة، سحر يوم التاسع عشر من شهر رمضان، قدّم نفسه في سبيل الله فرحاً مسروراً مليئاً بالشوق إلى لقاء ربّه. طوال هذه السنوات الخمسين تقريباً أو أكثر، منذ سنّ العاشرة وحتى سن الـ 63 يُرى أنّ هناك خطّاً واحداً مستمرّاً يشرح ويبيّن حياة أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهو خطّ الإيثار. وفي كلّ القضايا الّتي مرّت عليه (عليه السلام) طيلة هذا التاريخ الممتدّ لـ 50 سنة تظهر علائم الإيثار من الأوّل وإلى الآخر. وهذا في الحقيقة درسٌ وعبرةٌ لنا. ونحن الّذين نتحدّث عنه ونبحث عنه ونُعرف في العالم بمحبّته يجب أن نأخذ هذا الدرس منه (عليه السلام)، ومجرّد الحبّ لا يكفي، ومجرّد معرفة فضيلة عليّ لا تكفي. كان هناك من يعترف في قلبه بفضائل علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولعلّهم أكثر منّا نحن الّذين تفصلنا عنه 1400 سنة، هؤلاء أو بعضهم كانوا يحبّون عليّاً من القلب كإنسانٍ معصومٍ منزّه، ولكن كان سلوكهم مختلفاً؛ لأنّهم لم يمتلكوا تلك الخصوصية وذلك الإيثار وترك العمل من أجل الذات، بل كانت تشغلهم أنفسهم. وكان امتياز عليّ في أنّه لم يقع في سجن الذات. لم تكن الأنا مطروحةً أمامه أبداً، بل كلّ ما كان عنده هو التكليف والهدف والجهاد في سبيل الله.

 
 

الإمام الكاظم (عليه السلام)

 

25 رجب عام 183 هـ: شهادة الإمام الكاظم (عليه السلام)

لقد كانت شخصيّة الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) داخل السجن هي تلك الشخصيّة الّتي تشبه المنارة الهادية لكلّ من كان يحيط بها.

وهذه المنارة لا تتوقّف لحظةً واحدة عن الهداية حتّى في أصعب الظروف. وهذا هو العمل الّذي قام به الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)، حيث يوجد في هذا المجال قصصٌ كثيرة وروايات عديدة؛ وواحدة من أكثرها جمالاً ولفتاً للنظر، أن السنديّ بن شاهك المعروف، كان سجّاناً عنيفاً جدّاً وشديداً، ومن عبيد العباسيّين، والأكثر وفاءً للسلطة؛ وقد كان هذا سجّان الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، حيث سجنه في زنزانة شديدة الصعوبة تحت الأرض، في منزله. وكانت عائلة السنديّ بن شاهك في بعض الأوقات تنظر من طاقة إلى داخل السجن، وقد أثّر وضع حياة الإمام (عليه السلام) فيهم، وغرس فيهم بذرة محبّة أهل البيت (عليهم السلام). فأحد أبناء السنديّ بن شاهك ويُدعى كشاجم أصبح من كبار شعراء التشيّع وأعلامهم.

هذه هي حال حياة الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) الّتي كانت تجري معه في السّجن. بالتأكيد لقد جاؤوا مرّات إلى الإمام في السجن وهدّدوه وطمّعوه وأرادوا أن يرغّبوه، لكنّ هذا الإنسان العظيم الّذي اتّصف بتلك الصلابة الإلهيّة، وبالتوكّل على الرّب المتعالي واللطف الإلهيّ، وبهذا الصمود نفسه هو الّذي حفظ القرآن والإسلام إلى اليوم.

من أشدّ مرارات سيرة الأئمّة شهادة موسى بن جعفر (عليه السلام). وبالطبع لقد كانوا يريدون في ذلك الوقت أن يتظاهروا بالحسنى. ففي الأيّام الأخيرة، جاء السنديّ بن شاهك بمجموعة من الوجوه والمشاهير الكبار الّذين كانوا في بغداد ليجتمعوا حول الإمام (عليه السلام)، وقال لهم: انظروا، إنّ وضع حياته جيّد ولا توجد أيّ مشكلة، فقال الإمام (عليه السلام): نعم، ولكن اعلموا أنّهم سيقتلونني مسموماً. وقد قتل الإمام مسموماً في بضع حبوب من التمر، وتحت تلك الأغلال والقيود الّتي قيّدوا بها عنقه وقدميه، وهكذا ارتفعت روح الإمام العظيم والمظلوم والعزيز في السجن، إلى الملكوت الأعلى ووصل إلى الشهادة.

بالطبع، كان هؤلاء يخافون أيضاً، يخافون من جنازة الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)، وكذلك من قبره (عليه السلام). ولهذا عندما أخرجوا جنازة الإمام (عليه السلام) من السجن، وكانوا يطلقون الشعارات الّتي تدل على أن هذا الشخص كان خارجياً وثائراً على الحكومة، كانوا يقولون هذه الكلمات لكي يجعلوا شخصية الإمام (عليه السلام) في مورد التهمة. وقد كانت أجواء بغداد بالنسبة إلى جهاز الحكم أجواء غير مستقرّة إلى حدّ أنّ أحد عناصر جهاز الحكم نفسه وهو سليمان بن جعفر -ابن عم هارون الّذي يُعدّ من أشراف العباسيين- وجد أنّ هذا الوضع من الممكن أن يخلق لهم مشكلة، فقام بدور آخر وأحضر جنازة الإمام (عليه السلام)، ووضع كفناً قيّماً على الجنازة، وجاء بكلّ احترام إلى الإمام في مقابر قريش، الّتي تُعرف اليوم بـ «الكاظميَّين»، ودفنوا الإمام (عليه السلام) في المرقد المطهّر القريب من بغداد. وهكذا ختم موسى بن جعفر حياةً مليئةً بالجهاد.

 
 

المبعث النبويّ الشريف

 

27 رجب عام 13 ق.هـ: المبعث النبويّ الشريف

لو كانت عَظَمة الأيّام وأهميّتها بكونها زمناً أنزل الله تعالى فيه لطفه على البشر، فباليقين أنّ يوم البعثة هو أعظم أيّام السنة وأهمّها، لأنّ نعمة بعثة النبيّ الأعظم على البشريّة هي أعظم من جميع النعم الإلهيّة على مرّ التاريخ.

لقد وَرَدَ في الروايات بخصوص ليلة المبعث، أنّ السماء لَمْ تُرخ بظلالها على ليلة كتلك الليلة؛ أي لم يَشْهد التاريخ ليلةً كليلة المبعث، ففي صباح تلك الليلة كُرّم النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) بالخطاب الإلهيّ، وبُعث بالرسالة العظيمة والخالدة على مرّ العصور. البعثة عمل عظيم وشاقّ؛ إذ عَظَمة الأعمال تتناسب والمشاكل والصعاب التي تعترض مسيرها. وعادةً ما تكون الصعاب التي تواجِه الأعمال والخطوات العظيمة معارضات ومصاعب كبيرة. لقد توالت الصعاب التي واجهت الدعوة خلال حياة النبيّ، سواء في «مكّة» أو في «المدينة المنوّرة»، ومن مختلف الجوانب.

إنّ عيد المبعث هو عيد النهوض والانبعاث لإزالة الآلام والمحن عن البشر، وعليه فهو حقّاً يوم عيد. غالبية الآلام والشدائد التي تعاني منها البشرية على امتداد التاريخ، ما زالت مستمرّة إلى يومنا هذا بأشكال مختلفة، هي: عبودية غير الله، وانتشار الظلم والجور، والاختلاف الطبقيّ، ومصائب الضعفاء، وغطرسة المتسلّطين الأقوياء. هذه آلام تعاني منها البشرية باستمرار، وقد فرضها الجبابرة العتاة على البشر دوماً بدوافع فاسدة ومُفسدة. البعثة جاءت لإزالة هذه الآلام والقضاء عليها. في الحقيقة يوم المبعث هو يوم الرجوع إلى الفطرة الإلهية، لأنّ كلّ هذه الشدائد والآلام والمحن والاضطرابات مرفوضة في الفطرة الإلهية التي أودعت في نفوس البشر. لقد فَطَر الله الناس في فطرته على مناصرة الحقّ والعدل والجهاد في سبيل المظلومين. هذه هي الفطرة الإنسانية.

12-03-2019 عدد القراءات 930



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد



جديدنا